تبيع اخر شئ تملكه حكايات صافي هاني

​بصيت للراجل وحسيت بنار الغضب اللي كانت جوايا ناحيته -عشان ساب مراته لوحدها- بدأت تطفي بعد ما عرفت ظروفه وشقاه.

​قمت وقفت، وطبطبت على كتفه وقلتله: “رقبتك للي خلقك يا صاحبي، والست الأصيلة اللي تصون بيتها وتبيع أغلى ما تملك عشان ضناها دي تتشال على الراس. أنت راجل شقيان وبتجري على أكل عيشك، والبيت ده رزق ابنك أحمد من عند ربنا، أنا كنت مجرد سبب.”

​التفت للمحصل وقلتله: “الراجل ده من بكرة يستلم شغل في مخازن الشركة هنا جمب بيته وعياله، بمرتب يكفيه ويفيض، ومش عايز أشوفه متغرب تاني.”

​الراجل مكنش مصدق، وفضل يدعيلي وهو خارج وقلبه طاير من الفرحة.

​رجعت قعدت على كرسيّ، وبصيت لكف إيدي.. الإيد اللي ياما ناس خافت من بطشها، النهاردة بقت سبب في لم شمل عيلة وإنقاذ طفل غلبان. في اللحظة دي عرفت إن الهيبة الحقيقية مش بـ إنك تخلي الناس تخاف منك، الهيبة الحقيقية إنك تكون سَند وضَهر لكل مظلوم، وتنام وأنت عارف إن في باب في السما مفتوح بدعوة صادقة من قلب غلبان.

 

ومرت السنين، والواد أحمد كبر وبقى طول الباب، وكل ما يشوفني في الشارع ييجى يجري عليا ويبوس إيدي ويقولي: “يا عم مراد”. والمنطقة كلها حالها اتقلب؛ الصياع والمشاغبين بقوا يعملوا ألف حساب مش لخوفي، لأ.. لحب الناس ليا.

​وفي ليلة من ليالي الشتا الصعبة، المطر كان مغرق الشوارع ونفس الهوا الساقع اللي يفكرني بأول ليلة شفت فيها أسماء. كنت قاعد في بيتي دفيان وسط عيالي، وسمعت صوت ضرب نار وهرجلة في الشارع تحت.

​نزلت بسرعة، ولقيت رجالة من عيلة كبيرة في منطقة تانية جايين وبنادقهم في إيديهم وعايزين يهدوا المحلات وياخدوا إتاوة من غلابة الحتة مستغلين إن الدنيا مطر والشارع فاضي.

​أول ما رجلي لمست الأسفلت، ووقفت في وسط المطر بطولي، الشارع كله اتهز. ورجالة الحتة لما شافوني واقف، اللي كان مستخبي ورا باب طلع، واللي كان خايف جمد قلبة، وبقوا كلهم ضهري في ثانية.

​كبيرهم بصلي وهو إيده بترعش على السلاح وقال: “مراد بيه.. إحنا ملناش معادى معاك، إحنا جايين ناخد حقنا من كام دكان هنا.”

​بصيتله وعيوني ثابتة ومهمزنيش السلاح: “المحلات دي محلات ناسي وأهلي، واللي يمد إيده على شبر هنا، يبقى بيمد إيده على رقبة مراد الهواري. شيل سلاحك أنت وهو وانزل من على أرضنا بدل ما تدفنوا فيها الليلة دي.”

​من غير ما نرفع سلاح ولا نسيل نقطة دم واحدة، الرجالة لفت ورجعت من حيت جأت، لأنهم عارفة إن ورايا رجالة بتموت فيا ومستعدة تبيع عمرها عشاني.

​وأنا راجع بيتي، والمطر عمال ينزل على وشي، افتكرت الموبايل المكسور، وافتكرت الـ 80 جنيه، وافتكرت اليوم اللي قررت فيه أبقى وحش يحمي الغلابة مش يفترسهم. ورفعت عيني للسما وقلت: “يا رب، اجمعلنا الهيبة في قلوب عداوتنا، واجعلنا دايماً السند لأهلنا وناسنا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *