اهلي دفعوني الايجار حكايات صافي هاني

جدّي وقف أكل خالص أول ما عرف إني بدفع إيجار لأبويا، في نفس الوقت اللي أختي عايشة فيه معاهم ببلاش هي وعيالها الاتنين. أبويا برر ده وقال إنها محتاجة المساعدة أكتر، وكأن حياتي أنا وملتزماتي ملهاش أي قيمة. الترابيزة كلها سكتت ومحدش نطق لما جدي حط الشوكة من إيده وقال الكلمة اللي محدش فينا كان يتوقعها.

​جدي وقف لقمته في بقّه وقال: “استنى هنا.. هو أنت بتدفع إيجار لأبوك وأمك؟”

​أنا اتسمرت والشوكة في إيدي مش عارف أدخلها بقّي. الناحية التانية من ترابيزة عشا الشكر، وش أمي اتخطف والدم هرب منه، وأختي “كريستينا” بصت في طبقها وفجأة لقت البطاطس البيوريه أهم حاجة في الدنيا.

​وقبل ما ألحق أرد، أبويا شاور بإيده كأن الموضوع تافه وقال: “أختك معاها عيلين يا بابا، وهي محتاجة مساعدة أكتر من أخوها”.

​الهدوء ساد المكان.. والكل سكت.

جدي حط الشوكة على الترابيزة بالراحة.

ومحدش كان يتوقع رد فعله.

​قال بصوت هادي وفيه هيبة: “لأ.. أنا بسأل بيتر”.

​بطني وجعتني وحسيت بقلق.

أبويا ساند ضهره على الكرسي وقال: “يا حج، متفتحش السيرة دي أرجوك”.

بس عين جدي كانت عليا ومتحركتش: “بتدفع كام يا بيتر؟”

​بلعت ريقي بصعوبة وقلت: “تمنميت دولار في الشهر”.

​جدتي شهقت بالراحة: “800 دولار؟!”

​أمي دخلت في الكلام بسرعة وقالت: “ده مش إيجار يا بابا! دي مشاركة في مصاريف البيت والخير اللي بناكله”.

​رديت بسرعة ومن غير ما أفكر: “بس أنا قاعد في البيسمينت تحت لوحدي! وبشتري خزين أكلي بنفسي، وبدفع فاتورة موبايلي، وتأمين عربيتي، وبنزيني، وكمان بدفع نص فواتير النور والمياه”.

​كريستينا أختي اتعصبت وقالت: “أنت محسسنا إننا بنعذبك هنا!”

​قلت لها: “أنا مقلتش كدة”.

​قالت: “بس كلامك معناه كدة! أنا معايا عيلين يا بيتر، أنت عارف مصاريف الحضانة هنا في أمريكا بقت كام دلوقتي؟”

​بصيت لها وقولت: “حضانة إيه؟ أنتِ مبتدفعيش دولار واحد في حضانة، أمي هي اللي قاعدة بيهم خمس أيام في الأسبوع وواخدة بالها منهم”.

​وش كريستينا جاب ألوان، وأبويا خبط كفه على الترابيزة خبطة خفيفة وقال: “بس.. لحد هنا وكفاية”.

​لكن جدي كان قفل من الأكل تماماً، ووشه بقى جامد وصارم بشكل مشفتوش غير مرة واحدة زمان في عزا عمي.

​بص لكريستينا وقال لها: “يا كريستينا، أنتِ بتدفعي أي حاجة وأنتِ قاعدة هنا؟”

​فتحت بقها عشان تتكلم ومفضلتش غير تبرق.

أبويا رد مكانها: “هي بتظبط دنيتها وبتبني نفسها من جديد يا بابا”.

​جدي هز راسه ببطء: “وبقالها قد إيه بتظبط دنيتها؟”

​صوت أمي طلع مخنوق وضئيل: “حرام يا بابا.. كده مش عدل”.

​جدي بص للكل وقال: “لأ، اللي مش عدل ولا يرضي ربنا إنكم تاخدوا إيجار من ولد، وتدوا البنت التانية سكن ببلاش، ورعاية عيال ببلاش، وأكل ببلاش، وفي الآخر تسموا دي لِمّة وعيلة!”

​أبويا وش ملامحه اتشد وقال: “بيتر عنده ستة وعشرين سنة، ولازم يشيل مسؤولية ويكون راجل”.

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *