قرض بضمان وظيفتي 2 اماني السيد
قمت من على الأرض ووقفت قدام المراية، مسحت دموعي بكف إيدي وخدت نفس طويل وعميق. ملامحي المكسورة المقهورة اتبدلت لملامح تانية خالص، ملامح واحدة قررت إنها مش هتدفع تمن “سكوت” جوزها ولا “طمع” حماها من كرامتها وصحتها.
المنبه رن.. الساعة بقت خمسة الصبح.
صوته المزعج كان بيعلن بداية المعركة. قفلته بهدوء تام، ومسكت تليفوني.. فتحت الأبلكيشن وطلبت “أوبر”، وحددت وجهة المشوار: مكان الشغل
بدأت أتحرك في الشقة زي الساحر اللي بيرتب لخدعته الأخيرة. فتحت الدولاب، ممدتش إيدي على لبس البيت ولا العبايات اللي حمايا قالي انزلي بيها المطبخ، أنا طلعت أشيك طقم خروج عندي، كويته ولبسته، وحطيت ميك اب خفيف عشان يداري الهالات السوداء والوجع اللي تحت عيني. كنت عايزة أمشي وأنا في كامل أناقتي وقوتي، مش مكسورة ولا هربانة.
لميت في شنطة يد كبيرة كل أوراقي المهمة: بطاقتي، شهادة تخرجي، عقد تعييني في الشغل، ودهبى كله اللي كانت في الدرج.. مسبتش ورايا قشاية واحدة تخصني وتخليني أحتاج أرجع أو أتفاوض معاهم.
الساعة بقت تمنية إلا ربع، وصوت كلاكيس العربيات في الشارع بدأ يعلى. تليفوني رن، الكابتن وصل ومستنيني تحت الشقة.
شيلت الشنطة على كتفي، وبصيت للشقة بوجع ملوش تمن، بس بنظرة وداع أخيرة. وأنا نازلة على السلم، لمحت باب شقة حماتي مفتوح على بحري، وصوت المواعين شغال، وسلايفي صوتهم طالع وهما بيبدأوا يومهم. حمايا كان واقف في الصالة تحت بجلابيته، أول ما شافني نازلة بالطقم والشياكة دي والشنطة في إيدي، عينه وسعت وصوته طلع مذهول ومبرق:
ـ على فين يا ست صباح؟ إنتِ مسمعتيش الكلام اللي قولته امبارح ولا إيه؟! إيه المرقعة واللبس ده على الصبح؟
وقفت على أول درجة في المدخل، وبصيتله بثبات هز الأرض تحت رجليه، وقولتله بصوت عالي وواضح سمّع البيت كله، من أول حماتي وسلايفي في المطبخ لحد أحمد اللي نايم فوق:
ـ أنا رايحة شغلي يا عمي، الشغل اللي بسببه مبمدش إيدي لحد، ولا بعمل قروض عشان أرضي طمع حد.. والبيت اللي الستات فيه بتتقسم لنوعين يخدموا بلقمتهم، ميتشرفش بوجودي فيه. أحمد نايم فوق، لما يصحى قولوا له إن صباح سابتلك الشغل والبيت كله.. وروني بقى هتعملوا القرض بضمان مين!
لفيت ضهري ومشيت بثقة وسرعة، من غير ما أبص ورايا، وركبت العربية اللي كانت مستنياني، والباب اتقفل ورايا وكأنه بيقفل صفحة أسوأ شهر في حياتي، وبداية لرد اعتباري.
العربية بدأت تتحرك، وأنا باصة من الشباك على البيت وهو بيبعد عن عيني. ضربات قلبي كانت سريعة جداً، لدرجة إني كنت حاسة بصوتها في وداني، بس المرة دي مكنش خوف.. كان أدرينالين الحرية، إحساس إنك أخدتِ حقك بإيدك قبل ما حد يدوس عليكِ.
طلعت تليفوني، أول حاجة عملتها إني كلمت أبويا. أول ما سمعت صوته بيقول “أهلاً يا صباح يا بنتي”، دموعي اللي حبستها طول السكة نزلت غصب عني. حكيت له كل حاجة في دقيقتين، من أول طلب القرض لغاية وقفتي في المدخل. صوت أبويا اتقلب من الحنان للغلان، وقالي بكلمة واحدة هزتني:


