امها المريضه 2 حكايات صافي هاني


عاشور وقف مكانه، ضهره كان مفرود بس راسه كانت في الأرض، كأنه مستني ضربة جديدة أو مستني جملة قاسية تخليه يسرع خطوته ويمشي. لف ليا ببطء، والسجارة في إيده كانت خلاص قربت تلمس صوابعه، وبصلي بعيون حمرا من كتمة العياط وقال: “أوامرك يا أبلة.. هلم حاجتي في ثانية ومش هتشوفي وشي تاني.”

​جريت عليه والدموع بتعمي عينيا، مسكت في كم الجاكيت الجينز بتاعه بكل قوتي وكأني خايفة يتبخر من قدامي، وقلت بصوت بيترعش ومخنوق: “متمشيش يا عاشور.. أنا.. أنا أسفة.”

​عاشور اتسمر مكانه، وبص لإيدي اللي ماسكة في هدومه بذهول، وكأن الكلمة كانت تقيلة على ودان مش متعودة تسمع غير الإهانة والشك. عدا ثواني من الصمت الرهيب وسط هوى الليل، لحد ما سألني بنبرة مكسورة: “تتأسفي على إيه يا بنت الغالي؟ أنتي كنتِ بتخافي على أمك.. وده حقك.”

​”أنا ظلمتك.. وشكيت فيك وفي نيتك، وأنت طلعت أجدع مني ومن الدنيا كلها!”

​في اللحظة دي، حسيت إن جبل الشك اللي كان خانقني انهار، ولقيت نفسي من غير تفكير بقرب منه وبترمي في حضنه. حضنته وأنا بعيط بحرقة، بعيط على أبويا اللي مات وساب وراه السر ده، وبعيط على أمي اللي شالت الحمل لوحدها، وبعيط على السنين اللي عشناها أغراب وإحنا من دم واحد. عاشور جسمه اتنفض، وحسيت بدراعاته الضخمة الموشومة بترتعش وهي بترفع ببطء وتترد عليا، وطبطب على ضهري بحنية أظنها حنية السنين اللي انحرم فيها من كلمة “عيلة”.

​بعد ثواني، ركزت واستوعبت الموقف، فمسحت دموعي بسرعة وقلت له: “إحنا لازم نطلع لأمي فوراً.. لازم تعرف إننا مع بعض.”

​طلعنا السلم وجرينا في طرقة المستشفى لحد ما وصلنا باب الأوضة. فتحت الباب براحة، ولقينا أمي تحية فتحت عينيها أخيرًا، والمحاليل متعلقة في إيدها الضعيفة. أول ما شافت عاشور واقف جنبي، ملامحها اتخطفت، وعينيها راحت بسرعة لوشي وهي بتدور على أي علامة تقول لها إن السر اتمسح أو إن في كارثة حصلت.

​قربت من السرير وقعدت على ركبي، مسكت إيدها المجهدة وبستها، وقلت لها بصوت هادي حاولت أخليه متماسك: “حمد الله على سلامتك يا ست الكل.. عاشور مسبكيش ولا ثانية، والحمد لله الدكاترة طمنونا.”

​أمي بصت لعاشور بنظرة عتاب وخوف، وسألت بصوت واهن وطالع بالعافية: “أنت.. أنت قلت لها حاجة يا عاشور؟”

​عاشور كان واقف بعيد عند الباب، باصص للأرض وساكت، فتدخلت أنا بسرعة وعملت نفسي مش فاهمة حاجة وقلت: “يقول لي إيه يا ماما؟ هو قال لي إن الدكتور طمنه عليكي برة بس.. في حاجة تانية المفروض أعرفها؟”

​أمي أخدت نفس طويل كأن روحها ردت فيها، وبصت لعاشور بنظرة شكر وامتنان، وقالت لي وهي بتطبطب على إيدي: “لا يا بنتي.. مفيش.. ربنا يخليكم ليا.”

​فات تلات أيام في المستشفى، والوضع اتغير تماماً. بقيت أنا وعاشور بنتناوب على خدمتها، وبقيت أراقبه وهو بيعدل لها المخدة، وهو بيناولها المية، وبقيت أشوف في كل حركة بيعملها ملامح أبويا الله يرحمه.. نفس الطيبة ونفس الشهامة اللي كانت متدارية ورا الأوشام والدقن الطويلة. الشك مات، وحل مكانه راحة غريبة، لحد ما جيه يوم الخروج من المستشفى.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *