حماتي طمعانه في ببتي 2 نرمين عادل همام
هنا حماتي رفعت راسها لفوق بكل برود وبجاحة تفرس، ولوت بوزها الشمال وقالت بنبرة كلها لؤم ومسكنة كدابة من بتاعة الحموات:
— “يا بنتي فكري في العيلة وفي لمتنا وفي مصلحة ابننا مش في الفلوس والماديات، الدنيا دي زايلة ومحدش بياخد منها حاجة.. وأبوكي الله يرحمه ويحسن إليه أنا متأكدة وعارفة إنه كان هيفرح أوي وهو في تربته لما يعرف إنه ساعدنا وسترنا في أواخر أيامنا وخلا أهلك يرتاحوا.”
أنا أول ما جابت سيرة بابا على لسانها، الدم ضرب في نفوخي فوراً، ونار قادت جوايا وعيني احمرت من كتر الغل، وبصيت لها في عينها مباشرة من غير خوف وزعقت فيها بصوت قوي سمع الجيران:
— “ما تجيبيش سيرة بابا على لسانك خالص يا حاجة ولا تقولي كان هيفرح ولا مش هيفرح!.. بابا الله يرحمه شقي وتعب وطحن نفسه في الدنيا دي وساب لي البيت ده بالذات عشان أختار حياتي وأعيش فيه عزيزة ومرفوعة الراس، مش عشان تيجوا إنتوا في الآخر تسكنوا فيه وضع يد وتطردوني منه وتتحكموا فيا!”
المهندس لما لقى الخناقة صبحت حامية أوي والبيوت أسرارها بتطلع على العلن، ولمح الغضب في عيني، استأذن بسرعة ولم لوحاته وخلع ونزل جاري، وبعد شوية حمايا وحماتي لما لقوا مفيش فايدة، لموا حاجتهم ونزلوا هما كمان ورا بعض وهما بيبرطموا ويتحسبنوا عليا بكلام مش مفهوم وصوتهم كله غيظ ووعيد.
قضيت ساعات الليل الطويلة دي كلها صاحية، عيني ما غفلتش ثانية، براجع الورق والملفات بتاعة الشقة، والبيت قانوناً ملكيتي الخاصة الخالصة ومسجل باسمي من قبل الجواز، يعني ملوش فيه ولا مليم ولا حق تصرف.
تاني يوم الصبح أول ما الشمس طلعت ونورت الدنيا، كلمت طارق، زميلي المحامي وصديق عمري من أيام الجامعة وبحكم إنه شاطر وبيفهم في قضايا العقارات والنصب. طارق سمع حكايتي للآخر من غير ما يقاطعني، وقال لي بنبرة جادة وحاسمة:
— “قانوناً يا هناء، محدش على وجه الأرض يقدر يلمس شعرة واحدة من البيت ده أو ياخده منك غصب، بس خلي بالك أوي.. الراجل اللي يحلل لنفسه ويطمع في حاجة مش بتاعته وعايز يتباها بيها قدام أهله، ممكن يعمل أي مصيبة تخطر أو ماتخطرش على بال عشان يلوى دراعك. نصيحة مني كأخ.. انزلي دلوقتي حالا هاتي نجار وغيري كالون الباب فوراً بمفاتيح جديدة، وشيلي ورق الملكية ده كله في مكان أمان بعيد عن الشقة وعن إيد أي حد.”
عملت كدة فوراً ومن غير ما أضيع دقيقة واحدة، نزلت جبت النجار وغيرت الكوالين والمفاتيح كلها، وشلت الورق الأصلي كله ورحت حطيته في خزنة البنك عشان قلبي يطمن. وأنا راجعة في الطريق، لقيت رسالة مبعوتة على موبايلي من شريف كاتب فيها بمنتهى البرود والاستفزاز: “بكرة عربية العفش جاية وشاحنة الحاجه كلها.. القرار اتخذ خلاص ومفيش فيه رجوع أو نقاش”.
في اللحظة دي، في حاجة جوايا انكسرت تماماً ناحيته وماتت. فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل بالصدفة عشان أطمن على الحساب وببص.. لقيت الصدمة اللي وقفت دقات قلبي والدم جمد في عروقي! لقيت إشعار بطلب قرض “مرفوض” بضمان البيت! وباسمي أنا!
وبتوقيع إلكتروني أنا عمري في حياتي ما عملته ولا وافقت عليه! شريف الواطي حاول ياخد قرض بمبلغ كبير بضمان بيتي وورث أبويا، ولما معرفش يجيب إمضائي بالذوق، قعد وزور إمضائي وتوقيعي الإلكتروني عشان يخلص المصلحة ويهادي أهله بفلوسي وشقايا.
تاني يوم الصبح الساعة تسعة بالتمام،
وأنا واقفة في البلكونة براقب الموقف من فوق، لقيت عربية نقل ضخمة محملة عفش وكراتين وكتل خشب وقفت قدام البيت. نزل شريف من العربية بكل ثقة ومعاه تلات عمال شيلين أشداد، ووراهم كانت نازلة من تاكسي حماتي الحاجة صفية بابتسامتها العريضة اللئيمة، اللي كانت فاكرة ومتأكدة إنها كسبت الحرب وفرضت رأيها عليا وهتكسرني في بيتي. لكن المرة دي.. أنا مكنتش لوحدي ولا كنت هناء الضعيفة الطيبة بتاعة زمان.
لما شريف قرب من الباب بكل تنطيط وثقة، ومد إيده في جيبه وطلع المفتاح القديم وحاول يدخله ويفتحه، وقف فجأة في مكانه وحسيت إن حركة إيده اتسمرت ووشه اتخطف وتغير مليون لون في ثانية واحدة. المفتاح مكنش بيلف معاه خالص ولا راضي يتحرك جوة الكالون مليم واحد. حاول مرة واتنين وتلاتة بكل عصبية وغِل، والمفتاح برضه واقف محلك سر، وبعدين رفع عينه وبص لي فوق وأنا واقفة في البلكونة وبصالة بكل برود وتحدي، وقال بصوت عالي ومستغرب:
— “هناء.. إنتي غيرتي الكالون ليه؟ وإيه المفتاح ده اللي مش راضي يفتح بيتي؟”
نزلت السلم ببطء شديد وبخطوات واثقة مفيهاش تراجع، ووقفت ورا الباب من جوه الصالة، وقلت له بنبرة صوت مفيش فيها أي خوف ومنتهى الهدوء:
— “غيرته عشان ده بيتي أنا.. ملكي لوحدي وشقا أبويا.”
حماتي، الحاجة صفية، أول ما سمعت الكلمة دي وهي واقفة وراه على السلم، وشها احمر من الغضب وزرّق من الغل، وعروق رقبتها نفرت وزعقت بأعلى صوت عندها وهي بتشوح بإيدها في الهوا:
— “إنتي هتبدأي التمثيلية والملاعيب دي وتعملي لنا حكايات وروايات تاني يا بت إنتي! إحنا قلنا وخلصنا إننا هننقل هنا الشهر ده وخلاص، والموضوع منتهي والعفش واصل لحد الباب.”
طلعت موبايلي من جيبي وقبضت عليه بـإيد جامدة، وفتحت الباب حتة صغيرة أوي، يا دوبك على قد وشي، من غير ما أسمح لأي حد فيهم أو من العمال الغرب إنهم يخطوا خطوة واحدة لجوه الشقة، وقلت لهم بصوت حاد وقاطع كأنه طلقة رصاص: — “قبل ما حد فيكم يخطو خطوة واحدة جوة المكان ده.. في حاجة مهمة أوي لازم تسمعوها وتعرفوها كويس.”
شريف نفخ بضيق وزهق وهز كتافه وقال بعصبية:
— “يا هناء ملوش لزمة ولا عازة الكلام ده دلوقتي خالص، العمال واقفين مستنيين على نار والشمس حامية كلت دماغنا ودماغهم على السلم، خلينا ندخل العفش ونرصه ونخلص من الليلة دي بقا وبعدين نتفهم.”
بصيت في عينه مباشرة من وراء فتحة الباب ونظرتي كانت حامية وقاتلة وقلت له بمنتهى القوة:
— “إنت حاولت تاخد قرض بمبلغ كبير بضمان البيت ده وباسمي أنا.. امبارح بالليل يا شريف، صح ولا أنا متبلية عليك؟”
وشه اتجمد تماماً والكلمة لجمته ووقفت في زوره، وحماتي رفعت حاجبها وبصت لابنها بشك، وكأنها مش فاهمة أي حاجة من اللي بتتقال، أو بمعنى أصح بتمثل ببراعة وخباثة إنها مش فاهمة. شريف بلع ريقه وصوته طلع مرتعش وهو بيحاول يداري ارتباكه وخيبته قدام العمال:
— “بتقولي إيه يا هناء؟ قرض إيه وضمان إيه اللي بتتكلمي عنه ده؟ إنتي اتهبلتي؟”
مديت إيدي من ورا الباب ووريت له شاشة المبايل وبلاغ البنك بكل وضوح وقولتله:
— “البنك رفض القرض عشان الإمضاء والتوقيع الإلكتروني مش مطابقة لإمضائي الأصلية والسيستم كشفك، بس الطلب متسجل ومحفوظ عندهم ببياناتي أنا.. وببياناتك وبطاقتك إنت كمان يا حرامي.”
ساد في المدخل وفي المكان كله سكون تقيل قوي ومخيف، ومحدش عرف ينطق بكلمة، والعمال بدأوا يتهامسوا، وبعدين شريف لما لقى نفسه اتكشف بالدليل القاطع قدام أبوه وأمه، قال ببرود ومكابرة مستفزة عشان يداري الفضيحة: — “كنت بشوف خيار مادي لينا عشان نعدل ظروفنا ونوسع على نفسنا، محصلش حاجة يعني ولا الدنيا اتهدت، ومادخلتش السجن.”
زعقت فيه بحدة وعيني بتطلع شرار من كتر الغل والقهر:
— “تزوير إمضائي وتوقيعي من ورا ظهري وسرقة حاجتي مش خيار مادي يا شريف! ده تزوير صريح ونصب واحتيال وعقوبته السجن المشدد، وإنت عارف كدة كويس!”
حمايا، اللي كان واقف يتابع السلم من وراهم في صمت، اتكلم أخيراً وصوته كان مهزوز ومكسور من الخيبة وقال:
— “يا شريف.. إنت عملت كدة بجد؟ زورت إمضاء مراتك وصنتك عشان تاخد الفلوس من وراها؟” شريف نكس رأسه في الأرض وبص لرجله ومردش ولا بكلمة واحدة، وده كان أكبر اعتراف منه بالسرقة والنذالة.
في اللحظة دي بالظبط، عربية ملاكي وقفت قدام البيت، ونزل منها طارق المحامي بتاعي بكامل هيبته وشياكته، ومعاه اتنين رجالة طول بعرض من أمن المنطقة شكلهم يخوف وجسمهم رياضي لحمايتي. قرب طارق بخطوات ثابتة ووقف وسطهم وقال بهدوء وثقة:
— “صباح الخير يا جماعة.”
شريف بص له بارتباك وقلق شديد وقال بنبرة هجومية:
— “وإنت مين إنت كمان؟ وإيه اللي جابك في بيتي وشقتي؟” رد طارق بكل برود وثقة وهو بيطلع كارنيه النقابة والملف من شنطته:
— “أنا محامي السيدة هناء.. ومعايا ورق الملكية الأصلي المسجل اللي يثبت إن البيت ده ملكية خاصة وخالصة ليها من قبل ما تشوف وشك ومن قبل الجواز، ومفيش ليك فيه أي حق ولا نص طوبة، ومعايا كمان نسخة من البلاغ الرسمي اللي اتقدم الصبح في القسم بخصوص محاولة النصب والتزوير بضمان العقار.”
لون وش شريف اتغير تماماً وبقى أصفر زي الكركم من كتر الرعب والخوف من الحبس، وبص لي وقال بصوت مخنوق ومكسور: — “هناء.. إنتي عملتيها بجد وبلغتِ البوليس عليا وهتوديني في داهية؟” قلت له بمنتهى الهدوء والبرود: — “أنا بس بحمي نفسي وبحمي ورث أبويا من السرقة ومن مدة إيدك.”
نزلت بسرعة ووقفت بثبات وبكل شجاعة قدام الباب في الشارع، وورايا طارق ورجال الأمن، ووجهت كلامي لشريف وأمه قدام الشارع كله والعمال والجيران اللي بدأوا يفتحوا الشبابيك:
— “البيت ده مش بس مقفول ومحرم في وشك ووش أهلك وطمعكم.. البيت ده من النهاردة بقى دليل رسمي وضدك في قضي..ة تزوير جنائي وشروع في نصب واحتيال! عربية العفش دي تلم نفسها وتلف وترجع من حيث جت حالا، وإنت يا شريف.. قضيتك والطلاق اللي حرفعها عليك هتوصلك لحد عندك على بيت أهلك الضلمة في العمرانية!”
حماتي أول ما سمعت سيرة القض..ية والتزوير وفضيحة ابنها وقرب رجال الأمن، بدأت تصوت وتلطم على وشها وتدعي عليا بخراب البيوت، وبدأت تشوح بإيدها وتصرخ بجنون وغل: — “إيه الجنان والافترا ده! إحنا عيلة واحدة وبيتنا واحد وإنتي ست مفترية وقليلة الأصل!” رد طارق عليها ببرود قانوني قاتل وقفها عند حدها: — “القانون مبيعرفش عيلة ولا أهل يا حاجة، وأي محاولة منكم أو من العمال لدخول البيت ده غصب أو بوضع اليد، هتعتبر جري..مة تعدي على ملكية الغير، وهتتحبسوا فيها كلكم علطول ومن غير مناقشة.”
العمال بتوع العفش اللي كانوا واقفين، أول ما سمعوا سيرة المحاكم والبوليس والحبس، بدأوا يبصوا لبعض بقلق وخوف، وشريف حط إيده في شعره بعصبية وهستيرية وقال وهو بيبص لي بلوم وعين مليانة غيظ: — “يعني عشان حتة شقة وسور حيطة يا هناء، هتهدي بيتنا وتضيعي جوازنا وسنيننا مع بعض بالرخيص؟”
حسيت في اللحظة دي بنغزة ووجع في قلبي على الأيام والعمر اللي راح، بس مسكت نفسي وصوتي طلع ثابت وقوي زي الحديد:
— “لا يا شريف.. مش أنا اللي خربت البيت وبعت، إنت اللي عملت كدة فينا وفي جوازنا يوم ما فكرت تسرقني وتزور إمضائي وتستغفلني.”
سكت لثواني طويلة، والكل كان مستني كلمته الأخيرة، وبعدين التفت للعمال وهو مكسور وعينه ماليها الذل، وقال بمرارة:
— “رجعوا الحاجة العربية تاني وقفلوها.. خلاص، مفيش نقل ومفيش زفت.” حماتي قعدت تصوت وتلطم وتزق فيه:
— “يا شريف! هتسكت لها كدة وتخليها تكسر كلمتنا وتفضحنا وسط الناس؟” لكنه مابصش لأمه ولا رد عليها، فضل باصص لي أنا وبس بنظرة كلها كره وعتاب، وقال بصوت واطي ومسموع:
— “مكنتش فاكر إنك في يوم من الأيام هتاختاري الحيطان والطوب وتبيعي جوزك وسندك.” رديت عليه وعيني في عينه بكل قسوة:
— “ومكنتش فاكر إنك في يوم من الأيام هتختار الكدب والتزوير والسرقة وتبيع مراتك اللي صانتك وشيلتك.”
العمال مركبووش الشاحنة ولا نزلو حاجة، شالوا حاجتهم وركبوا كلهم عربيتهم ومشوا، وعربية العفش الكبيرة لفت ورجعت من حيث جت ووراها التاكسي اللي أخد شريف وأمه وأبوه.. كلهم خرجوا مش من البيت بس، لأ.. ودول خرجوا من حياتي كلها للأبد ومبقاش ليهم أي أثر.
طارق المحامي وقف معايا برة دقيقتين طمنّي فيهم على موقفنا القانوني، وأنا شكرته جداً ومن كل قلبي إنه ساب أشغاله وقضاياه وجالي بسرعة البرق عشان يقف جمبي في المحنة دي، وبعدها استأذن ومشي علطول عشان يلحق مكاتبه.
وقفت أنا في البلكونة لوحدي، أراقب الشارع الفاضي لحد ما اختفوا تماماً عن عيني والهدوء رجع للمكان. دخلت وقفلت الباب ورايا بالمفتاح الجديد المتين، وأول ما المفتاح تك في الكالون والباب اتقفل، حسيت إن ضهري ساب وقوتي اتهدت، ورميت نفسي ورا الباب على الأرض.. وعيطت كتير أوي، عياط بحرقة طالع من نفوخي، مش عليه ولا على خسارته طبعاً، لكن على سنين عمري وأيامي وشبابي اللي ضاعوا وهدرتهم مع شخص ندل وخاين كنت فاكراه في يوم من الأيام سندي وطلع في الآخر حرامي وعينه زايغة على رزقي وورثي.
بعد ما هديت، قمت وغسلت وشي ورحت وقفت وبصيت للبحر الواسع القدامي من الشباك، الهواء كان شديد وجميل وريحته يود وملح صافي، بالظبط زي الأيام الجميلة اللي كنت بقضي..ها مع بابا الله يرحمه هنا وهو بيطبطب عليا. اتنهدت وقلت بصوت هادي وبين الأمل والخوف:
— “اللي عارفاة ومأكدة منه، إن البيت ده اتبنى بالحب والشقا والعرق الصافي لأبويا.. مش بالطمع والسرقة والتزوير.”
وفي اللحظة دي بالظبط، وأنا بقفل باب البلكونة وبستقبل حياتي الجديدة، حسيت إني يمكن خسرت جوزي فعلاً وانتهت حكايتي الزوجية الأولى.. بس الأكيد والواضح إني أنقذت نفسي وكرامتي وحميت ورث أبويا الغالي.. ويمكن ربنا يكرمني في يوم من الأيام واتجوز تاني، بس المرة دي يكون راجل بجد يعرف قيمتي، وأجيب منه عيال يملوا عليا الدنيا، ويبقى البيت ده بتاعهم وورثهم وأمانهم.. ادعولي!
الكاتبة نرمين عادل همام
تمت



