ابني المنطوي حكايات صافي هاني

في اللحظة دي، جالي هبوط، وحسيت إن الدنيا بتلف بيا. أنا اللي عملت في ابني كده. أنا اللي حطيته في الموقف ده عشان غبائي وأنانتي، ورغبتي إني أشوفه “طبيعي” زي باقي السير.
نزلت جري، ركبت عربيتي وسوقت زي المجنونة للمدرسة. لما وصلت، دخلت القاعة وأنا بندور عليه بعنيا وسط الزحمة والمزيكا العالية اللي كانت خانقاني. لقيت المدرس اللي بعتلي الرسالة واقف مستنيني عند الباب، ملامحه كانت كلها أسف. شاورلي على الممر اللي بيودي للحمامات.
روحت هناك، وسمعت صوت عياط مكتوم. فتحت الباب براحة… لقيت جيريميا قاعد على الأرض، ساند ضهره على الحيطة، ولابس جاكيت البدلة اللي كويتهوله بحب الصبح، ومخبي وشه بين إيديه.
لما رفع رأسه وشافني، ما صرخش في وشي، ولا عاتبني. قال لي جملة واحدة كسرت قلبي مية حتة: “ليه يا أمي؟ أنا كنت عارف إن مفيش حد ممكن يحبني، بس ما كنتش فاكر إنك إنتي كمان شيفاني قليل للدرجة دي عشان تشتريلي أصحاب بفلوس”.
أنا كنت فاكرة إني بحميه من الدنيا، بس الحقيقة إني كنت السكينة اللي طعنته في ضهره. من اليوم ده، وجيريميا ما بقاش بيكلمني غير في أضيق الحدود، وسافر الجامعة بعد الكارثة دي بأسبوع، وسابني هنا عايشة مع ذنبي اللي مش هعرف أغفره لنفسي طول ما أنا عايشة.
عدى على الليلة دي سنتين، بس بالنسبة لي كأنها حصلت إمبارح.
جيريميا نزل الجامعة في ولاية تانية، ومن ساعتها وهو تقريبا قاطع علاقته بيا. بيكلمني مرة كل شهر، مكالمة دقيقة واحدة بس، يسأل عن صحتي ويقفل، صوته بيبقى ناشف وفاضي من أي مشاعر. حاولت أعتذر له مية مرة، بعتله رسائل طول بعرض، عيطت له في التليفون، بس الشرخ اللي حصل في ثقته بنفسه وفيّا كان أكبر من أي كلام.
أما إيلا، فرجعتلها الفلوس اللي كنت دافعاهالها؟ لأ، ما كانش هاممني الفلوس. بس روحت لبيتها وواجهت أهلها باللي بنتها عملته. أمها كانت مكسوفة ومحروجة، بس إيلا بكل بجاحة قالت لي: “أنا عملت اللي اتفقت عليه وروحت معاه، ما اتفقتيش معايا أحبه فعلاً”. في اللحظة دي عرفت إن الحق مش عليها، الحق على غبائي أنا اللي أمّنت لـ عيلة زي دي على مشاعر ابني.
أنا دلوقتي قاعدة في بيتي لوحدي، الأوضة بتاعته مقفولة وزي ما سابها. كل ما ببص على صوره وهو صغير، بتموت فيا حتة. كنت فاكرة إن الفلوس ممكن تشتري السعادة، أو تصنع ذكريات حلوة، مكنتش فاهمة إن في حاجات في الدنيا لما بتتكسر، ما ينفعش تتصلح لا بفلوس ولا بأي اعتذار.
أنا خسرت ابني.. خسرت الشخص الوحيد اللي كنت مستعدة أموت عشانه، والسبب هو إني حبيت بطريقة غلط. ودي العقوبة اللي هعيش شايلالها طول عمري.


