عروسه جديده حكايات روماني 2
صدمة سمر بالطلاق جعلتها تصرخ بانهيار وتبكي حقيقةً هذه المرة، محاولةً التشبث بملابس طارق: “يا طارق سامحني! أنا كنت بغيظها بس، مكنتش أقصد أخرب البيت! يا حازم قول لأخوك!”. لكن طارق نفضها عنه بعنف، ودفعها نحو غرفتها لتجمع أشيائها وسط بكائها وعويلها الذي ملأ منور العمارة.
هنا، التفت حازم نحوي ونحو والدي وأخي أحمد. انطفأت نيران غضبه وحلت محلها ذلة الانكسار والخزي. نظر إلى والدي وعيناه ممتلئتان بالدموع، وتقدم بخطوات مرتجفة، وحاول أن يمسك بـيد والدي ليقبلها وهو يقول بنبرة مخنوقة: “سامحني يا عمي.. أنا غبي.. الشك عَمى عيني والشيطان دخل بيننا.. أنا مستعد أعمل أي حاجة ترضيكم، بس سامحوني!”.
لكن شقيقي أحمد دفعه في صدره بعنف وقال بلهجة حاسمة: “ابعد عن أبويا! الكف اللي ضربته لأختي مش هيمسحه كلمتين ندم. أنت مصدقتش مرتك، ومسمعتش منها، وهنتها قدام الكل. إحنا مش شاريين راجل يمد إيده مع أول هبة ريح!”.
وقف والدي بكل هيبته، وأشار إليّ وإلى أحمد وقال بصوت رصين قوي لا يقبل النقاش: “خلاص يا حازم.. الكلام خلص. بنتي دخلت البيت ده معززة مكرمة، وخمس شهور يظهر فيهم طبعك ويمد إيدك عليها، يبقى مفيش قعاد. بنتي هتيجي معايا، والشرع والقانون بيننا.. يلا يا بنتي”.
مشيتُ بجوار والدي وأخي وأنا مرفوعة الرأس، تاركةً وراءه بيتاً يملؤه الندم والخراب. التفتُّ للمرة الأخيرة، فرأيتُ حازم واقفاً في منتصف الصالة، يمسك خده الذي رددتُ عليه القلم، ويبكي بدموع العجز والندم بعد أن خسر كل شيء في ليلة واحدة.
#الكاتب_رومانى_مكرم
يا ترى حازم هيسكت على خروج العروسة من البيت وهي معاها حقها بالدليل، ولا هيحاول يرجعها بأي طريقة حتى لو وصل الأمر لتدخل كبار العائلات؟ وإيه اللي هيحصل لسمر بعد ما انطردت واتطلقت؟
خرجتُ من باب العمارة وجسدي يرتجف، لكن راسي كان في السماء. ركبتُ السيارة بجوار والدي وأخي أحمد، وانطلقت بنا السيارة في عتمة الليل، تاركةً خلفنا بيتاً تفحم بنار الفتنة والندم. طول الطريق، لم يتكلم والدي بكلمة واحدة، كان يمسك يدي بضغطات خفيفة ليطمئنني، بينما كان أحمد يضرب مقود السيارة بغيظ ويتحلف لحازم.
أما في الشقة، فكان الصمت الذي حل بعد خروجنا أشد وطأة من صوت الصراخ. انغلق باب غرفة سمر، وخرجت وهي تجر حقيبتها الممتلئة بملابسها، ودموعها تسيل بندم حقيقي بعدما انهار سقف حياتها فوق رأسها. نظرت إلى طارق وهي تنتحب: “يا طارق، عشان خاطر العشرة والعيال.. متعملش فيا كده وتفضحني قدام أهلي”.
نظر إليها طارق بنظرة باردة كالموت، وأشار بإصبعه نحو الباب الخارجي دون أن ينطق بكلمة واحدة. خطت سمر خطواتها الأخيرة خارج الشقة، تجر أذيال الخيبة والفضائح التي نسجتها بيدها، لتدفع ثمن طعنها في الأعراض طلاقاً بائناً وطردة مخزية.
بمجرد أن انغلق الباب وراء سمر، التفت طارق إلى أخيه حازم، الذي كان يجلس على ركبتيه في منتصف الصالة، واضعاً رأس بين يديه ويبكي بحرقة وصوت مسموع. اقترب منه طارق، ولم يواسيه، بل قال بنبرة جافة قاسية: “ابكي.. ابكي على خيبتك وعلى غبائك. خسرت مرتك الأصيلة اللي ردتلك القلم عشان تحمي كرامتها، وخسرت حماك الراجل المحترم اللي جالك لحد بيتك ولقنك درس في الأصول. أنا خارج من البيت ده يا حازم، ومش عايز أشوف وشك لحد ما تفوق لنفسك وتعرف أنت عملت إيه”.


