جدته اتوفت حكايات صافي هاني

روحت على المكتب الأول، وفتحت الكشكول، لقيت خط ستي الله يرحمها مالي الصفحات. كانت كاتبة:
“يا ابني، أنا عارفة إنك زعلان مني وشايفني قاسية، بس أنا كنت بشوف فيك أبوك الله يرحمه.. كان طيب زيادة عن اللزوم والناس أكلت حقه وضيعت شقاه. أنا منشفة نشوفتي عليك عشان تطلع راجل، وتعرف قيمتي وقيمة القرش ومحدش يقدر يكسرك في الدنيا دي بعد ما أموت. الصناديق دي فيها شقى عمري الحقيقي اللي خبيته عن عيون الطماعين، وده حقك الشرعي اللي صونتهولك لغاية ما تشتد وتكون راجل بجد وتعرف تديره.”
مسكت المفتاح التاني اللي كان في الميدالية، وجريت على الصناديق وفتحت أول واحد.. عيني زغللت ومبقتش مصدق! الصندوق كان مليان رزم فلوس قديمة وجديدة، ملايين الجنيهات متستفة فوق بعضها.
فتحت الصندوق التاني، لقيت جواه عقود ملكية مسجلة في الشهر العقاري لكل محلات السوبر ماركت الكبيرة اللي كانت بتمتلكها، ومكتوبة باسمي بيع وشراء من سنة فاتوا، يعني المحلات دي بتاعتي قانوناً ومحدش يقدر ينازعني فيها.
أما الصندوق التالت، فكان الصدمة الأكبر.. كان مليان سبائك دهب عيار 24، بتلمع وسط ضلمة الجراج وتخطف العين.
دموعي نزلت ومبقتش عارف أضحك من الفرحة ولا أعيط على ستي اللي ظلمتها في سرّي واهتميت بكلام الناس. عرفت ساعتها إنها مكانتش قاسية، دي كانت بتحميني من الدنيا وبتعلمني الأدب والأصول والاعتماد على النفس، وشالتلي قرشي الحلال في مكان محدش يتوقعه.
وقعت على ركبي تاني، بس المرة دي كنت ساجد لله وبشكره من كل قلبي، ودموعي غرقيت الأرض وأنا بدعيلها:
“ربنا يرحمك يا ستي ويغفرلك ويسكنك فسيح جناته.. صنتيني وعلمتيني وبنتيني صح.”
لميت الفلوس والورق والدهب في شنط كبيرة وأنا مش مصدق عيني، وقفلت الجراج وطلعت جري على المحامي وأنا في قمة الذهول. أول ما دخلت عليه المكتب، لقيته قاعد مستنيني وبيتسم سمة هادية وكأنه كان عارف كل حاجة هتحصل بالمسطرة.
وقف وقالي: “مبروك يا بني، سِتك الله يرحمها كانت بتعزك فوق ما تتخيل، بس هي كانت ست عاقلة وناصحة وناظرة للمستقبل. كانت خايفة عليك من عيون القرايب والطماعين، وخايفة أكتر إن الفلوس تجيلك على الجاهز فتضيع منك وماتعرفش قيمتها. هي طلبت مني أعمل المسرحية دي يوم الوصية عشان تثبت للكل إنك مأخدتش حاجة، ومحدش ييجي يحقد عليك أو يضايقك”.
المحامي سلمني الرخص والسجلات التجارية الرسمية للمحلات، وقالي إن كل حاجة جاهزة عشان أستلم الإدارة من بكرة الصبح.
خرجت من عنده وأنا حاسس إن الدنيا لفت بيا 180 درجة. الديون اللي كانت خانقاني ومنيماني مهموم، سددتها كلها في نفس اليوم. والشركة اللي كنت شغال فيها وبتبهدل من مديري عشان مليمين، روحت وقدمت استقالتي وأنا رافع راسي.
نزلت اشتريت كميات كبيرة من السلع والمواد الغذائية من شقى عمري الجديد، ووزعتها على البيوت الغلبانة والفقرا في منطقتنا بنية الصدقة الجارية على روح ستي، وعاهدت ربنا إني هخصص جزء ثابت من أرباح المحلات دي كل شهر للغلابة والمحتاجين، زي ما هي كانت بتعمل في السر ومحدش يعرف.


