جوزي حرق ايدي حكايات صافي هاني
د

ميرفت نزلت الكاس من إيدها وحواجبها اتقفلت: “في إيه؟ مين اللي بيرن على الصبح وبالإلحاح ده؟”
طارق طلع تليفونه من جيبه، ملامحه كانت لسه فيها ضحكة السخرية، بس الضحكة دي اتمحت في ثانية. وشّه اتقلب لونه أزرق، زي ما يكون اِتضرب بالقلم.
”مش ممكن.. ده.. ده جروب مجلس الإدارة”، طارق همس وصوته بيترعش، عينيه كانت رايحة جاية على الشاشة ومش مستوعب. “الرئيس التنفيذي، المستشار القانوني، المساهمين.. كلهم باعتين في نفس الدقيقة؟”
حماي قام وقف من على الكنبة ودخل المطبخ وهو ماسك تليفونه، وشه كان جايب ألوان: “طارق! إيه القرف اللي مبعوت على جروب الشغل ده؟ إيه الفيديو ده ومين اللي مصوره؟”
أنا كنت لسه في الأرض، سانده بضهري على تقفيلة المطبخ، ماسكه إيدي اللي بتغلي من الوجع، بس لأول مرة من ست سنين، ابتسمت. ابتسامة وسط الدموع.
طارق لمّحني وأنا ببتسم. نظرة عينيه اتغيرت من الصدمة للرعب الخالص لما بص تحت الرخامة وفهم. فهم إن الزرار اللي دُست عليه مكنش لعبة، وإن الكاميرا اللي فوق البوتاجاز نقلت كل حاجة.. صوت وصورة، بجودة عالية، من أول ريحة اللحم المحروق لحد فحيحه في ودني، وصويت الوجع، وتريقة أمه، وبرود أبوه وهو بيعلي التلفزيون.
”إنتي.. إنتي عملتي إيه يا بنت الـ…؟” طارق هجم عليا وهو بيزعق زي المجنون، بس تليفونه رن في إيده.. كان اتصال فيديو من رئيس مجلس الإدارة نفسه.
ميرفت جيرت مكانها وسندت على الرخامة وهي بتنهج: “طارق اِقفل البث! اِقفل الزفت ده فضحتنا! الناس بتكتب كومنتات.. البث بقا عام! ده مش على الجروب بس.. ده اِتشير!”
أنا سحبت نفسي بالراحة وقمت وقفت، ساندة على دراعي السليم. بصيت في عينيه وقلتله بكل برود وثقة عمري ما حسيت بيها قبل كده: “مبقاش ينفع يقفل يا طارق.. البث بقى علني، ومصر كلها بتشوف أصلكوا دلوقتي. ست سنين وأنت بتقولي إني لوحدي ومحدش هيصدقني.. أهو دلوقتي مجلس إدارتك، والناس كلها، بقوا هم الشهود بتوعي في قض..ية الخلع والجناية اللي هرفعها عليك.. وميرفت ورفعت بتوع المظاهر، هيشرحوا للنيابة بالتفصيل يعني إيه ‘لازم تعرف مقامها’.”
سبتهم والتليفونات في إيديهم زي القنابل الموقوتة، وخرجت من باب الشقة من غير ما أبص ورايا، والوجع اللي في إيدي مكنش ييجي حاجة جنب طعم الانتصار.
نزلت على السلم وأنا سانده إيدي المحروقة على صدري، الوجع كان بياكل في دراعي بس الأدرينالين اللي في جسمي كان مخليني مش حاسة بـ نص الوجع. ورايا، ورا الباب المقفول، كنت سامعة صوت زعيق طارق وخناق حماتي وصوت الموبايلات اللي مش ملاحقة رن. العمارة كلها كانت هادية، بس أنا عارفة إن بركان اِتفجر فوق مش هيتطفي تاني.
طلعت تليفوني بالإيد السليمة وطلبت تكسي. أول ما ركبت، السواق بصلي في المراية بخضة: “يا فندم إيدك مالها؟! أنتي محتاجة مستشفى فوري!”



