جوزي كان مخبيني حكايات صافي هاني
مريم بصت له بهدوء تام، نظرة مفيهاش غل ولا كره، بس فيها زهد وبرود يوجع أكتر من الزعل. وقالت له بلهجة مصرية واثقة وكلها كبرياء: “اللي بيبص للناس من فوق يا دانيال، بييجي عليه يوم ويقع على جدور رقبته. أنا مكنتش محتاجة فلوسك ولا مركزك، أنا كنت محتاجة راجل بجد يسندني ويحترمني.. وإنت مقدرتش ده.”
وقبل ما ينطق بكلمة ثانية، مريم رفعت إزاز العربية، والإشارة فتحت، والعربية مشيت وسابته واقف وسط تراب الشارع وعوادم العربيات، لوحده، زي ما سابها زمان واقفة لوحدها جنب المطبخ. ومريم كملت طريقها لفوق، وهي عارفة إن العدل أخد مجراه، وإن الست البسيطة اللي ربتها في الحارة.. بركتها ودعاها هما اللي نصروها في الآخر.
ومع مرور السنين، بقت “مؤسسة الست روزا” واحدة من أكبر الجمعيات الخيرية في مصر، ومريم بقت قدوة لكل بنت طموحة بتدور على النجاح ومبتنساش أصلها. كانت بتشرف على كل حاجة بنفسها، وبتنزل بنفسها توزع وجبات ولبس على المحتاجين في كل المحافظات، والناس بقت تحبها وتدعيلها في كل مكان تروحه.
وفي يوم من الأيام، مريم كانت بتزور فرع المؤسسة الجديد اللي فتحته في الإسكندرية. وهي بتمر على طوابير الناس اللي جايين يطلبوا مساعدات شهرية، لمحت راجل واقف في آخر الطابور، ضهره محني، ولبسه قديم ومبهدل، وواضح عليه التعب والانكسار.
الراجل رفع عينه بالصدفة.. وجت عينه في عين مريم.
كان دانيال.
دانيال أول ما عرف إنها هي، وشه احمر من الخجل ولف ضهره بسرعة وكان عايز يجري ويهرب من المكان، بس مريم شاورت لمدير الفرع وقالتله: “هاتلي الراجل اللي واقف هناك ده في مكتبي جوه”.
دخل دانيال المكتب وهو باصص في الأرض، مش قادر ينزل عينه في عينها. مريم قعدت ورا مكتبها وبصت له بهدوء، ومكنش فيه في قلبها أي رغبة في الانتقام، بس شافت في منظره آية من آيات ربنا إن الدواير بتدور.
مريم سألته بنبرة هادية: “عامل إيه يا دانيال؟”
دانيال صوته كان بيرتعش ودموعه نزلت: “أنا أسف يا مريم.. أسف على كل يوم وجعتك فيه، وعلى كل كلمة جرحتك بيها. الدنيا بهدلتني أوي، وبقيت بلف على الجمعيات عشان ألاقي لقمة آكلها.. أنا باخد عقابي كل يوم وأنا بفتكر إني ضيعت بإيدي الملاك اللي كان هينور حياتي”.
مريم سكتت لحظة، وبعدين فتحت درج المكتب وطلعت منه شيك، وكتبت فيه مبلغ محترم يخليه يقدر يبدأ حياته من جديد، ويزق بيه نفسه عشان يلاقي سكن مناسب ومشروع صغير يعيش منه.
قدمت له الشيك وقالت له: “المؤسسة دي معمولة باسم ست علمتني إننا منردش الإساءة بالإساءة، وإن اللي ربنا يكرمه لازم يجبر بخاطر المكسور، حتى لو كان المكسور ده هو اللي كسر قلبه في يوم من الأيام. خد الشيك ده، وابدأ بيه صفحة جديدة، ومترجعش تقف في طوابير المساعدات تاني.. شق طريقك بنفسك”.
دانيال بص للشيك وبص لمريم، ومكنش مصدق كمية النبل والكرم اللي في قلبها. أخد الشيك وإيده بتبوس الأرض من كتر الامتنان، وقالها بصوت مخنوق: “إنتي فعلاً غالية أوي يا مريم.. وأنا مكنتش أستاهلك”.

