صدمه 1 حكايات صافي هاني

سواق الأمن ضحك لما قلتله إني هنا عشان أعمل مفاجأة لجوزي.
ما كانتش ضحكة توتر، ولا من النوع اللي بيضحكه الواحد لما يكون مش على بعضه. دي كانت ضحكة طالعة من القلب، فيها تريقة وشفقة في نفس الوقت، كأن واحدة ست شعرها شايب ولابسة زيتي دخلت فجأة صالة واحدة من أكبر شركات الشحن والنقل في القلج أو التجمع، وبتدّعي إنها تملك البرج كله.
قلتله: “أفندم؟” لاني بجد افتكرت نفسي سمعت غلط.
الراجل سند ضهره لورا على الكرسي والابتسامة لسة على وشه: “يا فندم، مدام الأستاذ كريم فوق في مكتبه أساساً”.
في اللحظة دي، حسيت الصالة كلها بتميل بيا.
الأرض الرخام، الأسانسيرات الشيك، الواجهات الإزاز اللي كاشفة المحور، علم مصر اللي محطوط جنب مكتب الاستقبال.. كل حاجة فضلت في مكانها، بس مفيش أي حاجة بقت مفهومة.
قلت بالراحة وبكل ثبات: “جوزي هو الأستاذ كريم المنشاوي”.
ابتسامة الأمن خفت شوية: “أيوا يا فندم، عارفين”.
”وبتقولي إن مراته هنا فوق؟”
بص ناحية الأسانسير الخاص بالمديرين وقال: “دي بتيجي هنا تقريباً كل يوم”.
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة، بس شرخت حاجة جوايا.
أنا سوقت تلات ساعات كاملة من معسكر الجيش في الإسماعيلية بعد ما أخدت إجازة مفاجئة. ما رضيتش أكلم كريم عشان كنت حابة أعمله مفاجأة عمره. بعد واحد وتلاتين سنة جواز، وبعد ما فاتتنا مناسبات وذكرى جواز كتير، وعزومات أعياد وفطار في رمضان كنا بنقضيها فيديو كول، وأعياد ميلاد بنحتفل بيها بشنط هدايا بتتبعت من المحافظات، كنت فاكرة إننا نستاهل لحظة رومانسية من بتاعة زمان.
تخيلت نفسي داخلة عليه مكتبه، وتخيلت وشه وهو بينور أول ما يشوفني، وكنت متوقعة ياخدني في حضنه ويهمسلي: “حمد الله على السلامة يا إلهام، نورتي بيتك”.
لكن بدال كل ده، لقيت فرد أمن عنده حاجة وعشرين سنة بيبصلي كأني واحدة فاقدة الأهلية.
وبعدين قال الجملة اللي شقلبت حياتي:
”أهي نازلة اهي”.
التفتّ ورايا.
لقيت ست خارجة من أسانسير المديرين، لابسة فستان سواريه هادي وكعب عالي، ولابسة عقد ألماظ كان بيلمع تحت إضاءة الصالة زي السكينة. كانت أصغر مني بخمستاشر سنة على الأقل. شقراء، مهتمة بنفسها لآخر دقة، وثقتها في نفسها في السما. من نوعية الستات اللي عمرها ما شالت هم إن تراب الطوابير العسكرية أو الميدان يتبهدل بيه شعرها.
اتنين موظفين كانوا معديين في الصالة ابتسموا لها.
واحد منهم قال: “صباح الخير يا مدام كريم”.
مدام كريم..
اسمي أنا.
بيتي أنا.
حياتي أنا.
الست هزت راسها برقة وبابتسامة خفيفة، وبعدين بصت في عيني علطول. عيوننا اتقت لثانية واحدة. في حاجة ظهرت على وشها.. ما كانش ارتباك ولا تفاجؤ.
كان معرفة.. صدمة معرفة.
وبعدين مشيت من جنبي وكأني ست غريبة تماماً.
كان المفروض أصرخ، كان المفروض أجري وراها، كان المفروض أطلع فوق مكتب كريم وأقلب الدنيا عليه. بس اتنين وتلاتين سنة خدمة في القوات المسلحة المصرية زرعوا في عضمي غرايز وتدريب من نوع خاص. لما الأرض تتهز تحت رجلك، ما تصرخش.. ادرس الموقف، خد نفسك، واجمع الحقائق والمعلومات قبل ما تاخد القرار أو تضرب نار.

