امها المريضه 3حكايات صافي هاني
عاشور جري على أمي ورفعها بسرعة وخفة كأنها حتة ريشة، وعدّلها على السرير وهو بينادي عليها بخوف وقلق: “يا ست الكل.. يا حجة تحية ردّي عليا! أطلب الإسعاف يا أبلة بسرعة!”
أنا مكنتش سامعاه، وداني كانت بتصفر والصوت واصل لي مكتوم. عيني كانت متبتة في الصورة اللي في إيدي ومش قادرة أشيلها. الصورة كانت قديمة ومهترية، وبألوان باهتة من بتاعة زمان.. كان فيها أمي تحية وهي شابة صغيرة، واقفة بتضحك من قلبها ولابسة فستان فرح أبيض، والراجل اللي واقف جنبها وحاضنها ولافف إيده حواليها.. مكنش أبويا!
مكنش الحاج فؤاد خالص! كان راجل تاني، وسيم وملامحه فيها شبه رهيب وقريب جداً من.. من عاشور!
نفس رسمة العين الحزينة، ونفس الدقن، وحتى نفس طول الجث..ة والعضلات. قلبت الصورة وأنا إيدي بتتلوى من الرعشة، لقيت مكتوب بظهرها بخط إيد أمي الواضح: “أول يوم في عمرنا سوا.. حبيبي وزوجي الغالي مصطفى – 1975″.
1975؟! يعني قبل ما أمي تتجوز أبويا بـ 10 سنين كاملين!
”في إيه يا أبلة؟ هاتي التليفون أمك قاطعة النفس خالص!” صوت عاشور وهو بيزعق فوق دماغي فوقني من الصدمة. رميت الصورة في جيبي بسرعة وكأني سرقت سرق، وبصيت لأمي لقيت عينيها مقلوبة وبتنهج بنهجان غريب وسريع، وصدرها بيعلو ويهبط بشكل يرعب.
جريت على التليفون وطلبت الإسعاف، وطول النصف ساعة لحد ما الإسعاف وصلت، كنت قاعدة جنبها بمسد على راسها وعقلي شغال زي المكنة. مين مصطفى ده؟ وليه عاشور شبهه كده؟ وإزاي عاشور يبقى ابن أبويا فؤاد وفي نفس الوقت فيه الشبه ده من الراجل اللي في الصورة؟ الحكاية فيها حلقة مفقودة.. حلقة كبيرة وتخوف.
وصلت الإسعاف ونقلنا أمي على الرعاية المركزة في مستشفى عين شمس التخصصي، والدكاترة قالوا إنها دخلت في غيبوبة سكر كاملة بسبب صدمة أو زعل مفاجئ.
قعدنا أنا وعاشور في ممر المستشفى، الجو كان هادي ومفيش غير صوت الأجهزة من ورا الأبواب. عاشور كان قاعد حاطط راسه بين إيديه وبيستغفر، وأنا كنت ببص له ونار الأسئلة بتاكل في صدري. طلعت الصورة من جيبي بالراحة، وقربت منه وقعدت جنبه، وقلت بصوت واطي ومحمل بالشك: “عاشور.. أنت قلت لي إنك ابن الحاج فؤاد من مراته الثانية.. صح؟”
عاشور رفع راسه وبصلي باستغراب: “آه يا أبلة.. ده اللي أمي تحية قالتهولي وعرفتني بيه.. في إيه؟”
مديت إيدي بالصورة وحطيتها قدام عينه وقلت له: “أومال مين الراجل اللي واقف مع أمي في صورة فرحهم دي؟ ومكتوب عليه جوزي حبيبي مصطفى؟ وليه أنت شبهه كأنك حتة منه.. أكتر من شبهك لأبويا فؤاد؟”
عاشور مسك الصورة، وأول ما عينيه جت على وش الراجل، لونه اِتخطف والدم هرب من وشه تماماً. صوابعه بدأت ترتعش على طرف الصورة، وبصلي بعيون واسعة من الذهول والصدمة وقال بصوت يدوب طالع: “ده.. ده مش ممكن! الراجل ده.. الراجل ده يبقى..”



