قرض بضمان وظيفتي، 3اماني السيد

الصالون كله سكت، وأحمد قام وقف من الصدمة، وعينيه وسعت وهو مش مصدق:

ـ مش هترجعي إزاي يا صباح؟ أنا جيتلك ووافقت على كل شروطك وكسرت كلمة أبويا وجبت عمي الكبير عشان نرضيكي! إنتِ عايزة تخربي بيتك بإيدك؟

رديت عليه ببرود وثبات ندموه على كل ثانية سابني فيها مقهورة:

ـ بيتي اتخرب يوم ما وقفت تتفرج على أبوك وهو بيخيرني بين شقايا وكرامتي ونزلت عينك في التليفون. إنت جاي دلوقتي مش عشان عرفت قيمتي، إنت جاي عشان المحامي علم عليكم والقضايا هزت صورتكم قدام الناس، وجاي عشان بيت العيلة مقلوب ومفيش حد يخدم تحت. الست اللي تكسرها وترخصها في أول شهر جواز، متستناش منها ترجع لما تفتكر إنك محتاجها.

عم أحمد اتمهد ووبص لأبويا كأنه بيستنجد بيه، بس أبويا ساند ضهره لورا ومبتسم فخر بيا، وقال لعمّه:

ـ البنت قالت كلمتها يا حاج، وأنا مع بنتي في اللي تختاره.. اللي ملوش خير في مراته من أول جولة، ملوش أمان في بقية العمر.

أحمد وشه اسودّ وبان عليه الغل القديم تاني لما حس إن محاولته الأخيرة فشلت، وزعق وهو ماشي ناحية الباب:

ـ تمام يا صباح.. طالما بعتِ وبترفضي الصلح، يبقى المحاكم بيننا، ومفيش مليم واحد هتشوفيه بالسهل!

وقفت قدامه وقولتله وأنا ببتسم:

ـ المحاكم دي اللي جابتك لحد هنا يا أحمد، وزي ما جابتك مكسور المرة دي، هتحيب حقي كله تالت ومتلت بالقانون. والباب اللي بره يفوت جمل.

خرجوا من الشقة والمرة دي الباب اتقفل وراهم للأبد. لفيت لأبويا وأمي وأنا حاسة بروح جديدة اتولدت جوايا.. روحت شغلي تاني يوم وراسي في السماء، وبقيت بشتغل وبكبر، وعرفت إن فيه نهايات بتبقى هي أعظم بدايات بنعيشها في حياتنا عشان نكتشف فيها قوتنا الحقيقية.

بعد كام شهر، كانت الجلسة الأخيرة في المحكمة. القانون مبيظلمش حد معاه حق، والمحامي بتاعنا قفل كل الثغرات. أحمد وأبوه لما لقوا إن القضايا داخلة في حيطة سد، وإن الحبس بقا قريب بسبب تبديد القايمة والنفقة، اضطروا يتنازلوا ويطلقوا بالمعروف عشان يلموا اللي باقي من برستيجهم قدام الناس في حدائق الأهرام.

يوم ما استلمت ورقة طلاقي، مكنش يوم حزن، كان يوم عيد. أخدت الورقة في إيدي وبصيت لاسم “صباح” المكتوب فيها، وحسيت إني بتولد من جديد.

مرت سنة كاملة على الحكاية دي.

في خلال السنة دي، حياتي اتغيرت ١٨٠ درجة. في الشغل، اترقيت وبقيت رئيسة القسم بتاعي، مجهودي وتعب وشقايا اللي كانوا عايزين يسرقوه بالباطل، ربنا باركلي فيه وبقى يدخلّي ضعف المرتب اللي كنت باخده زمان. اشتريت عربية صغيرة بقسط مريح من تعبي، وبقيت بروح بيها الشغل وراسي مرفوعة ومبقتش أتبهدل في المواصلات.

وفي يوم، وأنا راجعة من الشغل، وقفت في إشارة قريبة من منطقتهم القديمة. بصيت بالصدفة من شباك العربية، لقيت أحمد واقف على الرصيف.. ملامحه كانت دبلانة، لابس لبس مستهلك، وبان عليه الهم. لمحت جنبه واحدة باين عليها التعب والكسرة، وماشية وراه وهي شايلة أكياس تقيلة وهو حتى ممدش إيده يشيل عنها، وباباه واقف بعيد بيشاورلهم بزعيق.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *