ولاده حزينه حكايات صافي هاني
جوزي قالي خدي تاكسي وروحي ولدي لوحدك.. وبعدها بكام يوم، ظهر مع عشيقته وهو بيطالب إنه يشوف الطفل اللي رماه!
”اطلبي تاكسي يا ياسمين، مش هضيع اجتماع مهم عشان قررتي تولدي نص الليل.”
دي كانت آخر كلمة قالها قبل ما يتقلب الناحية التانية ويسحب اللحاف فوق راسه.
كانت الساعة 2:14 الصبح في بيتنا في التجمع. كنت واقفة على باب الأوضة، رجلي بتترعش وهدوم بيتي مبلولة، والوجع كان بيضرب في ضهري وبطني لدرجة إني عضيت على شفايفي عشان ما أصرخش. برا الدنيا كانت هادية والمنطقة كلها نايمة.. فيلل وشوارع نظيفة وكاميرات مراقبة، كأن مفيش حاجة وحشة ممكن تحصل هنا.
”عمر.. المية نزلت،” قولت وأنا بحاول أحافظ على هدوئي. “الولادة بدأت.”
فتح عينه بالعافية، ببرود غريب، ولا حتى كلف نفسه يقعد.
”إنتي بتهولي الموضوع، الدكتور قال لسه قدامك ساعات.”
”مش هقدر أسوق وأنا في الحالة دي.”
اتنهد بضيق كأني بطلب منه المستحيل.
”اطلبي أوبر، الموبايل معاكي والتاكسيات مغرقة الدنيا. أنا عندي بريزنتيشن الصبح ومحتاج أرتاح.”
وجع تاني خلاني أنحني لقدام من الألم.
”عمر.. أبوس إيدك..”
مسك موبايله، عمله صامت، وراح متمتم بصوت واطي:
“مش عايزين دراما من أولها.”
وغمض عينه ونام.
وقفت مكاني مستنية.. مستنية يقوم، يغير رأيه، يفتكر إن ده ابنه هو كمان.
مفيش فايدة.
نفسه كان منتظم وهادي، وأنا كنت بحارب عشان أفضل واقفة على رجلي.
في الصالة، وأنا جسمي كله بينتفض، حاولت أطلب عربية. أول سواق كنسل، والتاني مكنش بيتحرك من مكانه، والتالت مردش. كلمت ماما.. بس هي ساكنة بعيد قوي عني. كلمت عمر تاني، كان عندي أمل إن رنة الموبايل تخليه يحس بيا.
موبايله كان مقفول.
ساعتها بس فوقت.
الموضوع مكنش تعب، ده كان اختيار هو اختاره.
غيرت هدومي بأعجوبة، أخدت شنطة المستشفى، وبطاقتي، والبطانية الزرقاء الصغيرة اللي كنت شرياها من المول، ومفاتيح عربيتي. إيد ساندة على الحيطة وإيد على بطني، وخرجت لحد الجراج.
كنت بسوق في شوارع القاهرة الفاضية وأنا بتمتم بآيات من القرآن وبدعي ربنا يسترها عليا وسط الوجع. كل إشارة حمراء كانت بتبان كأنها سنين، وكل وجع كان بيفكرني إني لوحدي، لأن الراجل اللي وعدني يشيلني، اختار ينام ويسيبني.
وصلت المستشفى الساعة 3:02 الصبح. الأمن جري عليا بكرسي متحرك.
”حضرتك معاكي حد؟”
السؤال ده وجعه كان أقوى من وجع الولادة نفسه.
قلت بكسرة: “لا.. أنا جاية لوحدي.”
الساعة 6:11 الصبح، ابني نور الدنيا.. صغير وضعيف، صرخته كانت عالية كأنه بيثبت وجوده في الدنيا دي.
”نورت يا يحيى،” همست وأنا بدمع.
عمر كان عايز يسميه على اسم جده.
بس خلاص، ده كان زمان.
الساعة 8:26، وصلتني منه رسالة:
“وصلتي المستشفى ولا لسه؟”
لا سأل “إنتي عاملة إيه؟”
ولا “ابننا وصل ولا لسه؟”
هي الجملة دي بس.
مردتش عليه.


