منعت من زفاف ابني حكايات صافي هاني

​تنهدت بريندا وكأن صبرها قد نفد، وقالت: “كلارا، الأمر ليس شخصياً، نحن فقط أردنا حفل زفاف أنيقاً يقتصر على الأشخاص المناسبين”.

​”الأشخاص المناسبون”.

أنا، المرأة التي انتشلت إيفان من الضياع والتشرد، لم أكن مناسبة لحفل زفافه.

​تذكرت المرة الأولى التي أهانتني فيها بريندا في مطبخي؛ تذوقت حسائي المنزلي، فلوت فمها قائلة إنها لا تفهم كيف كبر إيفان وهو يأكل “طعام الكافيتيريا البائس”. انتظرت حينها أن ينطق ابني بكلمة يدافع بها عني، لكنه استمر في تناول طعامه صامتاً.

​توالت بعد ذلك التعليقات الساخرة والمستمرة حول ملابسي، وعمري، ومكالماتي الهاتفية، وزياراتي، ومنزلي الصغير، ولهجتي، وقسائم التخفيضات التي أستخدمها، وسيارتي القديمة.

​كانت بريندا تقول له دائماً: “والدتك خانقة وتتدخل في كل شيء، المرأة في السبعينيات من عمرها يجب أن تكون لها حياتها الخاصة، لا أن تظل متشبثة بابنها البالغ”. وكان إيفان يكتفي بالهز برأسه موافقاً.

​وحتى عندما تمت خطبتهما، كنت آخر من يعلم. وصلت إلى عشاء عائلي ظناً مني أننا نحتفل بعيد ميلاد إيفان، لأجد بريندا تستعرض خاتم الألماس أمام عائلتها، والجميع يصرخون: “مفاجأة!”. ابتسمت معهم مجاملة، لكنني في داخلي أدركت الحقيقة؛ لقد بدأوا بالفعل في إقصائي من الصورة تماماً.

​قال لي إيفان بعد أسابيع: “سيكون زفافاً صغيراً يا أمي، للعائلة المقربة فقط”. وكنت أظن غباءً أن الأم تندرج تحت بند العائلة المقربة.

​في ذلك بعد الظهر، وخارج أسوار تلك المزرعة في نابا، فهمت أخيراً أنني بالنسبة لإيفان لم أكن سوى أداة مفيدة؛ أداة للدفع المالي، ومجالسة الأطفال، وحل الأزمات، شريطة أن أظل صامتة في الظل، وأن أسمح له بالتظاهر أمام العالم بأنه بنى حياته ونجاحه بمفرده.

​كان بإمكاني أن أبكي، وكان بإمكاني أن أتوسل، وكان بإمكاني أن أذكره بكل نوبة حمى سهرت بجانبه فيها، وبكل قسط دراسي دفعته، وبكل ليلة قضيتها بجوار سريره في المستشفى، وبكل مرة تجرعت فيها الجوع والحرمان كي لا يشعر بالفقر.

​لكن شيئاً ما في داخلي سكن فجأة، سكن تماماً.

​رسمت ابتسامة على وجهي وقلت: “أنا أفهم تماماً”.

​رمشت بريندا بذهول وارتباك، بينما عقد إيفان حاجبيه قائلاً: “لا تفتعلي مشكلة هنا يا أمي”.

​أجبته: “لن أفتعل أي مشكلة، أتمنى لكما حفل زفاف جميل”.

​ثم استدرت ومشيت نحو البوابة الخارجية. لم يتبعني أحد، ولم يوقفني أحد، ولم يقل أي شخص: “انتظروا، هذه المرأة مكانها هنا”.

​عندما ركبت سيارتي وتوقفت خارج البوابة مباشرة، أخرجت هاتفي واتصلت بصموئيل بروكس، محاميّ الخاص منذ أكثر من عشرين عاماً.

​أجاب قائلاً: “كلارا؟ هل كل شيء على ما يرام؟”.

​نظرت عبر النافذة إلى المزرعة حيث كان ابني يحتفل بزفافه دوني، وقلت: “لا، ولكن كل شيء أصبح واضحاً الآن”.

​ساد الصمت من طرف صموئيل للحظة ثم سأل: “ماذا حدث؟”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *