كل اللي كان عايزه شوية لقم عيش بايتة يطعم بيها أخته الصغيرة اللي بتموت من الجوع... 💔 🥖 بس في ثواني، وقف راجل غريب ميعرفوش حد في وسط المكان - والمخبز كله سكت والهمس انقطع تماماً. اللي حصل بعد كده غير كل حاجة... الراجل الغريب ده قرب من الولد الصغير، وبكل هدوء قلع جاكت حمايته الغالي وحطه على كتاف الولد الوشامان. وبص لصاحب المخبز اللي كان لسه شاتم الولد وطارده، وقال بصوت هز الحيطة: "المخبز ده باللي فيه.. بالمنطقة دي كلها.. بقت ملك الولد ده من اللحظة دي!" الناس كلها برقت وصاحب المخبز اتقطعت أنفاسه من الصدمة. الولد بص للراجل بذهول وهو مش فاهم حاجة، فالراجل وطي عليه وهمس في ودنه: "أخيراً لقيتك يا وريث عيلة الجبالي.. حقك وحق أختك هيرجع، والناس اللي ذلتكم هتدفع التمن غالي أوي." الكل وقف ومبقاش حد عارف ينطق.. مين الراجل ده؟ وإزاي حتة عيش قلبت حياة الولد من فقر لثراء مرعب في ثانية؟ وإيه اللي هيعمله الولد في الناس اللي ظلموه؟ صاحب المخبز اتمسمر في مكانه واللقمة وقفت في زوره، والزبائن اللي كانوا واقفين بيزقوا الولد ويهينوه عشان يوسع لهم الطريق تراجعوا لورا خطوتين والخوف ظهر في عينيهم. الراجل الغريب مَداش فرصة لحد يستوعب، شاور بإيده لبرة، وفجأة المخبز الضلمة المتهالك ده اتملى بنور كشافات عربيات سودا فخمة وقفت ورا بعضها في خط مستقّم قفلت الشارع كله. نزل منها رجالة ببدل سودا وقفوا حراسة على الباب، والمنطقة كلها اتقلبت في ثواني وكأن رئيس دولة هو اللي واقف جوه الفرن. الراجل الغريب بـص لصاحب المخبز بنظرة حادة زي الموس وقاله: "حساب المكان ده كام؟" صاحب المخبز بلع ريقه بالعافية وصوته لجلج: "يا بيه ده.. ده محل غلبان ما يسواش.." الراجل قاطعه وهو بيرمي رزمة فلوس حبر مطبعتها لسه جديد على الترابيزة المتبهدلة بالدقيق: "ده تمن المحل، وتمن قلة أدبك مع أسيادك.. تلم حاجتك وفي ظرف دقيقة ملمحش وشك هنا تاني." الراجل خاف على عمره ولم الفلوس وجري من الباب الوراني وهو بيترعش. الولد الصغير كان واقف ضامم كفوفه الفاضية لبعضها، باصص للأرض ودموعه غسلت تراب الدقيق اللي على وشه، مش مستوعب السند اللي نزل عليه من السما ده. الراجل الغريب وطي على ركبه في الطين عشان يبقى في نفس مستوى طول الولد، ومسك إيديه الصغيرة الخشنة من التعب وباسها، وقال والدموع بتلمع في عينيه: "يا ابن الغالي.. أنا بقالي عشر سنين بقلب الدنيا عليك أنت والست الصغيرة أختك.. قصر أبوك اتقفل ومحدش عتبه من يوم ما غدروا بيه، والكلاب افتكروا إن الشجرة اتقطعت وملهاش وريث.. لكن أنا حلفت ميرتاحليش بال غير لما أرجعكم لعرشكم.. يلا بينا يا بطل، أختك مش هتكول عيش ناشف تاني.. أختك من النهاردة هتاكل بمعلقة دهب، واللي جرحكم بكلمة.. حسابه معايا أنا." شال الولد على كتفه وخرجا وسط ذهول أهل الحتة اللي كانوا بيبصوا من الشبابيك والبيوت مصدومين من المشهد الأسطوري ده.. العربية السودة مشيت والتراب غطى المكان، بس الحكاية لسه مبدأتش.. مين اللي غدر بأبو الولد؟ وإيه اللي هيحصل لما عيلة الجبالي الكبيرة تعرف إن الوريث الشرعي رجع ومعاه حارس أبوه الأوفى عشان يهد المعبد على دماغ الكل؟ الولد كان قاعد ورا زجاج العربية الفاميه الأسود، ساند راسه عليه وبيتفرج على شوارع حتتهم الشعبية وهي بتختفي وراهم بسرعة، وكأنه بيودع أيام الذل والجوع لآخر مرة. الراجل الغريب، اللي اتضح إن اسمه "مهران" وكان دراع أبوه اليمين، طلع جهاز لاسلكي من جيبه واتكلم بنبرة آمرة هزت العربية: "جهّزوا الدكاترة في القصر فورا.. وجيبوا أحسن أكل ولبس، إحنا دقايق ونكون عند الست الصغيرة." الولد التفت له وبصوت مبحوح ومرعوب سأله: "إحنا رايحين فين؟ وأختي "نور" فين؟" مهران ابتسم بوجع وطبطب على كتفه: "رايحين المكان اللي كان لازم تكونوا فيه من زمان يا عامر.. أختك زمان رجالتنا نقلوها لأكبر مستشفى، ودلوقتي هي في أمان وفي حمايتنا، ومحدش في الكون يقدر يمس شعرة منها تاني." العربيات دخلت منطقة تانية خالص، شوارع واسعة وهدوء مرعب، لحد ما وقفت قدام بوابة حديد ضخمة لقصّر قديم ومظلم، باين عليه إنه مهجور من سنين طويلة. مهران نزل وفتح الباب لعامر، وأول ما رجل الولد حفت أرض القصر، أنوار الجنينة كلها اتفتحت في نفس اللحظة، وظلّت مئات اللمبات تكشف عن فخامة المكان اللي كان مغطيه التراب. مهران وقف ورا عامر وقال بصوت جهوري: "القصر ده اتقفل يوم ما أبوك اتغدر بيه، وعيلة الجبالي افتكرت إنها ورثت كل حاجة ورمتكم في الشارع عشان تموتوا من الجوع.. هما فاكرين إن السر مات مع أبوك، وميعرفوش إن المفتاح الحقيقي لكل ثروة الجبالي.. وفي دم عروقك أنت وأختك." فجأة، تليفون مهران رن، وأول ما رد، وشه اتقلب تماماً وعينيه اسودت من الغضب، وبص لعامر بنظرة خلت الولد يترعش تاني. مهران قفل التليفون وقال وهو بيضغط على سنانه: "الكلاب شموا خبر يا عامر.. وعمك "عتمان الجبالي" باعت رجالته على المستشفى عشان ياخدوا أختك نور ويخلصوا من الوريث التاني.. الحرب بدأت قبل ما ندخل بيتنا، ودم أبوك مش هيروح هدر." عامر من الخوف والصدمة حس إن الدينا بتلف بيه.. أخته في خطر، والسر اللي في دمه لسه مش فاهمه، وعمه عتمان مش هيسيبهم يعيشوا.. تفتكروا مهران هيلحق نور؟ وإيه هو السر المرعب اللي عامر لسه ميعرفوش عن أبوه؟ مهران مَستناش ثانية واحدة، شد أجزاء طبنجته وحطها في جنبه، وبصوت زي الرعد صرخ في الرجالة: "كل العربيات تتحرك على المستشفى حالا.. اللي هيقرب من البنت يتدفن مكانه!" الشارع اتقلب صريخ كاووتش، والعربيات لفت في مكانها وطارت بأقصى سرعة وسط الليل الضلمة، وعامر قاعد جوه العربية قلبه هيقف من الرعب على أخته، ودموعه نازلة من غير صوت وهو شايف مهران بيجهز الس*لاح ورجالته بيعمروا الرشاشات في العربيات التانية. في نفس اللحظة دي، جوه المستشفى، كانت الممرات هادية والنور خافت، وفجأة دخلت مجموعة من الرجالة بوجوش غضبانة، يترأسهم "عتمان الجبالي" عم عامر، الراجل اللي الشر باين في عنيه وجبروته هازز البلد كلها. عتمان كان ماشي وخطوات جزمته بتعمل صوت مرعب في الممر، لحد ما وقف قدام الأوضة اللي فيها البنت الصغيرة "نور"، وبص من الزجاج وشافها نايمة على السرير ومتركب لها المحاليل. عتمان ابتسم بملامح كلها غل وفتح الباب ودخل، وبص لنور وقال بصوت واطي ومخيف: "بنت المحجوب عايشة؟ ومهران الكلب لقاكم؟ تفتكروا هتقدروا تاخدوا اللي اتكتب باسمي؟" ورفع إيده وفيها مخدر قوي عشان يديهولها ويهربها قبل ما مهران يوصل، لكن فجأة.. الباب اتدب برجل مهران اللي دخل زي الإعصار وصوت رصاصة طلعت من طبنجته هزت جدران المستشفى كلها وجت في الحيطة فوق راس عتمان بمليمترات. عتمان لف بصدمة وهو بيرفع إيديه، ومهران وقف قدامه والطبنجة موجهة لوشه وعامر واقف وراه عينيه بتطق شرار لأول مرة لما شاف الراجل اللي ظلمهم. مهران قال بفحيح أفعى: "نزل إيدك يا عتمان.. اللعبة خلصت، والولد اللي رميته في الشارع واقف قدامك، ومعاه مفتاح الخزنة الملكية اللي بقالك عشر سنين بتموت وتعرف مكانها.. بس المفاجأة لك ولعيلتك.. إن المفتاح ده مش ورق.. المفتاح ده شفرة مشفرة في عقل عامر، ومحدش هيعرفها غير لما تدفعوا تمن كل لقمة عيش ناشفة الولد ده شحتها بسبتتكم!" عتمان برغم الخوف ضحك ضحكة شريرة رنت في الأوضة وقاله: "فاكر نفسك كسبت يا مهران؟ أنت دخلت المستشفى برجليك.. بس مش هتخرجوا منها عايشين!".. وفجأة، عامر بص من الشباك ولقى المستشفى كلها محاصرة برجالة عتمان المسلحين اللي بيقربوا من الباب! الحصار قفل عليهم، ونور غايبة عن الوعي، وعامر لسه مش فاهم إيه الشفرة اللي في عقله دي.. تفتكروا مهران هيقدر يهرب بالعيال من وسط الموت ده؟ وإيه السر اللي أبو عامر خبّاه في عقل ابنه الصغير وقلب الدنيا عليه؟ الرصاص بدأ يمطّر على واجهة المستشفى، وصوت تكسير الزجاج ملأ المكان، والرجالة برة كانوا بيقربوا بخطوات سريعة والضرب شغال من كل ناحية. مهران متوجعش ولا خاف، وبعزم ما فيه شد عتمان من رقابته وخلاه درع بشري قدامه، وحط مس*دسه في دماغه وزعق لرجالة عتمان اللي داخلين من الممر: "ورب العزة اللي هيقدم خطوة كمان هفضي الخزنة دي في دماغ كبيركم.. ارجع ورا منك له!" الرجالة وقفوا مكانهم ومبقاش حد عارف يتصرف، وعتمان وشه جاب ألوان وصاح بصوت مخنوق: "اوعوا تضربوا.. الكلب ده هيق*تلني بجد!" في اللحظة دي، مهران شاور لعامر بصلابة: "شيل أختك يا عامر.. واجري ورايا ومتبصش وراك!" عامر، برغم الرعب اللي جواه، حس بقوة غريبة حركت جسمه، جرى على السرير وشال نور اللي كانت خفيفة زي الريشة بين إيديه من كتر الجوع والمرض، وضمها لصدره وهو بيترعش. مهران بدأ يتحرك لورا وهو ساحب عتمان معاه، ورجالته مأمنين ضهره والضرب شغال في السقف عشان يبعدوا أي حد. نزلوا في ممرات المستشفى الخلفية لحد ما وصلوا لـ باب الطوارئ، ومهران حدف عتمان على الأرض بكل قوته وقاله: "دي قرصة ودن يا جبالي.. المرة الجاية رقبتك هي اللي هتطير." وركبوا العربيات والكاوتش صرخ في الأرض وطاروا وسط الضلمة قبل ما رجالة عتمان يلحقوا يجمعوا نفسهم. العربيات فضلت تجري في طرق مقطوعة وصحراوية لحد ما وقفت قدام بيت قديم مستخبي وسط المزارع، مهران نزلهم بسرعة ودخلوا جوة. المكان كان أمان، ومهران قعد على الكرسي وهو بينهج، وطلع ورقة قديمة من جيبه، وبص لعامر اللي كان قاعد على الأرض بيطمن على أخته ونور بدأت تفتح عينيها ببطء. مهران وطي على عامر وقاله بنبرة سرية وخافتة: "إحنا هربنا المرة دي يا عامر.. بس عتمان مش هيهدا، والبلد كلها هتقلب علينا. أبوك المحجوب الجبالي قبل ما يموت، ساب لك اللغز ده.. ساب لك خمس كلمات كان دايماً بيقولهملك وأنت صغير قبل ما تنام، الخمس كلمات دول هما الشفرة اللي بتفتح الحسابات السرية لعيلة الجبالي في سويسرا، الحسابات اللي فيها الملايين اللي عتمان مستعد يهد مصر كلها عشانها.. افتكر يا عامر، إيه الكلمات اللي أبوك حفظهالك؟" عامر تنّح، وحس إن عقله وقف تماماً.. الكلمات دي كان فاكرها مجرد حدوتة من حواديت زمان، بس هو ناسيها من كتر الصدمات! وفي نفس اللحظة، سمعوا صوت حركـة غريبة برة البيت، ونور صرخت وهي بتبص للنافذة.. الكلاب وصلوا مكانهم بالسرعة دي؟ ومين الخاين اللي بلغ عنهم؟ وعامر هيفتكر الكلمات إزاي وحياته وحياة أخته على المحك؟ مهران اتنفض من مكانه والطبنجة بقت في إيده في لمح البصر، شاور لعامر بصباعه على بقه عشان يسكت تماماً، وسحب أجزاء الس*لاح من غير ولا صوت. النور جوه البيت المقطوع ده كان مطفي، ومبقاش مسموع غير صوت أنفاس عامر المرعوبة وهو ضامم أخته نور لحضنه، وصوت خطوات تقيلة برة البيت بتدوس على القش الناشف وتصنع صوت يخلع القلب. الخطوات قربت من الباب الخشب القديم.. وفجأة، الباب اتدب برجل قوية، ومهران مكدبش خبر، ضرب طلقة حية جت في كتف الشخص اللي داخل، فالراجل صرخ ووقع على الأرض وهو ماسك كتفه وبيتحرك بوجع. مهران قرب منه بسرعة وداق برجليه على صدره ووجه السل*اح لوشه، ولما النور الخافت بتاع القمر ضرب في وش الراجل، مهران اتصدم ورجع خطوة لورا وزعق: "سالم؟! أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإزاي عرفت طريقنا؟" سالم كان واحد من رجالة مهران المقربين، وبصق دم من بقه وهو بيتنفس بصعوبة وقال: "الحق نفسك يا مهران.. أنا مجيتش لوحدي، عتمان الجبالي مشتري نص رجالتك.. الشفرة دي لو متسلمتش الليلة، عتمان هيمحي الحتة كلها من على الخريطة.. هما ورايا.. هما برة!" في نفس اللحظة، صوت الميكروفونات اشتغل برة البيت، ورن صوت عتمان الجبالي وهو بيضحك بامتكاك وجبروت: "اطلع يا مهران.. البيت محاصر من كل ناحية، والمرة دي مفيش مستشفى ولا دروع بشرية.. سملي عامر والشفرة، وأنا هسيبك تعيش.. قدامك دقيقة واحدة، وإلا هحرق البيت باللي فيه!" عامر، وسط الصريخ وصوت ضرب النار اللي بدأ يشتغل برة على حوائط البيت الطوب، غمض عينيه وفضل يضغط على راسه بكل قوته.. الصدمة والخوف والرعب على أخته نور خلوا شريط ذكرياته القديم يرجع يشتغل في دماغه زي السينما.. افتكر أبوه المحجوب وهو قاعد جنبه على السرير في أيام العز، وافتكر نبرة صوته الحنينة وهو بيمسح على راسه وبيقوله: "لما الدنيا تلمس بعضها يا عامر، والكلاب تنهش في الورث.. افتكر دايماً الكلمات الخمسة دي.. هما حصنك وأمانك." عامر فتح عينيه فجأة، وعينيه لمعت بنور غريب وكأن الخوف اتمحى منها، وبص لمهران اللي كان بيستعد للمعركة الأخيرة وقاله بصوت ثابت وصادم: "أنا افتكرت الكلمات يا مهران!.. أبويا قالي: (العدل.. سيف.. يقطع.. رقاب.. الخونة)." مهران لف وشه لعامر وعينيه برقت من الذهول والفرحة، بس الفرحة متمتش.. لأن في نفس الثانية، قنبلة غاز اتمت من الشباك والبيت بدأ يتملي بدخان أبيض بيخنق، وصوت اقتحام الباب من كل ناحية بدأ فعلياً! عامر افتكر الكلمات.. بس هل الكلمات دي هتنقذهم من الموت المحقق اللي واقف على الباب؟ وإيه السر اللي مهران لسه مخبيه في جيبه ومقلش عليه؟ الحرب الشرسة بدأت، ومحدش عارف مين اللي هيخرج صاحي من مفرمة عيلة الجبالي! الدخان ملى المكان وعامر ونور قعدوا يكحوا بهستيريا، مهران قلع شاله ولفه على وش عامر وزقه ناحية قبو صغير تحت الأرض كان مستخبي ورا صندوق خشب قديم، وزعق فيه بصوت مخنوق: "انزل هنا وم تطلعش مهما حصل! الكلمات اللي قولتها دي مش بس شفرة بنك، دي أمر تفعيل لمنظومة أمان أبوك صممها لكل أملاكه.. لو مت، مهران هيسيب لك في جيب الجاكت اللي معاك جهاز صغير، اول ما تخرج حط فيه الخمس كلمات دول، والقنبلة اللي في سوق عتمان الجبالي هتنفجر في وشه!" مهران سحب رشاشين وبدأ يضرب نار زي المجنون في كل اتجاه وهو بيخرج من الباب عشان يسحب الرجالة بعيد عن مكان عامر ونور، صوت الرصاص كان بيخرم الودان، وعتمان بره كان بيصرخ في رجالته: "هاتوا العيال أحياء.. الشفرة في دماغهم!" فجأة، صوت مهران انقطع، وصوت ضرب النار سكت تماماً.. عامر ساند ضهره على الحيطة الساقعة تحت الأرض، ضامم نور اللي كانت بتترعش في حضنه، وسامع صوت خطوات جزمة عتمان الجبالي وهي بتتمشى فوق دماغه بالضبط على الخشب بتاع أرضية البيت.. عتمان وقف فوق مكان عامر ونور ونادى بصوت واطي ومرعب: "يا عامر.. أنا عارف إنك هنا.. مهران خلاص ودّع، وأنت لوحدك.. اخرج بالذوق وقولي الكلمات، وأنا هخليك تعيش ملك.. اخرج يا وريث الجبالي." عامر في اللحظة دي حس ببرود غريب في أعصابه، الخوف اللي كان في عينيه اتحول لغل ملوش آخر، مد إيده في جيب الجاكت وطلع الجهاز الصغير اللي مهران قاله عليه، شاشة صغيرة نورت في الضلمة ومكتوب عليها "أدخل كلمة السر".. عامر بدأ يكتب الكلمات الخمسة بصباعه اللي بيترعش: (العدل.. سيف.. يقطع.. رقاب.. الخونة). أول ما داس "إدخال"، الأرض هزت تحت المستودع كله، وصوت إنذارات مرعبة بدأت تضرب في كل القصور والمخازن التابعة لعيلة الجبالي في نفس الثانية.. عتمان اللي كان واقف فوق اتفاجئ بموبايله بيرن ورسائل بتجيله إن ثروته كلها بتتبخر، وحساباته بتتقفل، وكل الس*لاح اللي مع رجالته "سيستم" الأمان بتاعه باظ! عامر زق باب القبو وطلع، وقف قدام عتمان اللي كان واقف مصدوم ورجالته س*لاحهم مبيضربش، عامر بص لعمه بعينين مفيهاش رحمة وقال: "أبويا مسبش فلوس بس يا عتمان.. أبويا ساب "لعنة" متشتغلش غير بصوتي أنا.. ودلوقتي، أنت معندكش حاجة تخسرها غير عمرك." في اللحظة دي، مهران ظهر من ورا باب البيت وهو غرقان دم بس لسه واقف على رجليه، ومعاه قوة من الشرطة كانت مستنية إشارة الشفرة دي عشان تتحرك.. عتمان وقع على ركبه وهو شايف امبراطوريته بتهد في ثواني، بس قبل ما الكلبشات تلمس إيده، بـص لعامر وضحك ضحكة صفرا وقاله: "فاكر إنك كسبت؟ الكلمات اللي قولتها دي فتحت "صندوق بندورا" يا عامر.. أبوك مكنش ملاك، والسر اللي هيتفتح دلوقتي هيخليك تتمنى لو كنت فضلت تشحت لقمة عيش!" نور صرخت لما شافت النور الأحمر اللي بدأ يلمع في القصر القديم اللي بعيد، وعامر حس إن في حاجة تانية بدأت تشتغل.. إيه هو السر اللي عتمان قصده عليه؟ وإيه اللي المحجوب الجبالي كان مخبيه عن ابنه؟ الحكاية لسه بتبدأ، والدم اللي سال كان مجرد فاتحة للي جاي! الكلبشات حِكمت على إيد عتمان، والعساكر سحبوه برة وهو لسه بيبص لعامر وبيضك بـ غِل، وصوت ضحكته كان بيرن في المكان زي الكابوس. مهران ساند نفسه على الباب، وشه مخطوف والدم مغرقه، بس عينيه كانت مليانة فخر وهو شايف ابن غالي واقف بصلابة وسط المعمعة دي كلها. الشرطة بدأت تأمن المكان، ومهران قرب من عامر ونور، وطي عليهم وقال بصوت واطي ومبجوج: "يلا بينا من هنا.. اللعنة اللي عتمان قال عليها بدأت فعلاً، والجهاز اللي في إيدك ده مش بس قفل حسابات.. ده بعت إشارة لكل حيتان السوق وعصابات برة إن وريث المحجوب رجع ومعاه مفتاح كل حاجة.. إحنا مبقاش لينا أمان في أي مكان مفتوح." ركبوا العربية التانية اللي كانت مستخبية في المزارع، ومهران هو اللي ساق برغم جرحه. طول الطريق، عامر كان باصص للجهاز الصغير اللي في إيده.. الشاشة اتقلبت من اللون الأخضر للون أحمر دموي، وبدأ يظهر عليها عد تنازلي.. "23 ساعة و59 دقيقة". وتحت العد التنازلي مكتوب جملة واحدة خلت جسم عامر يقشعر: (الملف الأخير.. قصر الجبالي المهجور.. الغرفة السرية). عامر التفت لمهران وسأله بصوت مرعوب: "مهران.. أبويا كان مخبي إيه في القصر؟ عتمان قال إن أبويا مكنش ملاك.. يعني إيه الكلام ده؟" مهران سكت تماماً، وعينيه جت في المراية وبص لعامر بنظرة غامضة وفيها خوف لأول مرة، وقاله: "أبوك كان راجل عادل يا عامر.. بس عشان يحميكم من شر عيلته، اضطر يعمل حاجات مفيش عقل يستوعبها.. حاجات لو ظهرت للنور، هتقلِب البلد كلها، وهتخلي أقرب الناس ليكم يطالبوا برأسكم." العربية وقفت فجأة قدام أسوار القصر المهجور اللي راحوه في الأول.. المكان كان ضلمة كحل، والهدوء اللي فيه يرعب الصخر. مهران نزل وسحب س*لاحه، وعامر شايل نور اللي نامت من كتر التعب والخوف.. ودخلوا من البوابة الكبيرة اللي تزييقها في الليل يوجع السنان. أول ما خطوا جوه الصالة الكبيرة، العد التنازلي على الجهاز عمل صوت "بيب.. بيب" وبقى فاضل دقيقتين بس!.. وفجأة، سمعوا صوت قفل البوابة الخارجية بيترزع وراهم بعنف، وصوت خطوات لـ كذا شخص داخلين القصر بكل ثقة، ونور أوتوماتيكي فتحت عينيها وصرخت: "عامر.. في ناس واقفة ورا السـتارة!" عامر لف وبص، لقى ليزر أحمر ملقط على جبهة مهران وعلى صدره هو ونور.. ومن وسط الضلمة خرج شخص لابس قناع أسود، وصوته كان مألوف جداً لعامر، قاله بنبرة باردة: "سلم الجهاز يا ابن المحجوب.. أبوك مات عشان يحمي السر ده، وأنت هتموت بسببه لو مفهمتش إن اللعبة أكبر من عتمان وأكبر من عيلة الجبالي كلها!" العد التنازلي وصل لـ 10 ثواني.. والجهاز بدأ يصفر بعنف.. مين الشخص اللي ورا القناع؟ وإيه السر المرعب اللي المحجوب سابه في الغرفة السرية ومستني ابنه يكتشفه قبل ما الوقت يخلص؟ العد التنازلي بقى (5.. 4.. 3..) وصوت الصفير طالع من الجهاز زي ضربات قلب سريعة هتقف. مهران لمح النقط الليزر اللي على صدر عامر، وفي جزء من الثانية حدف نفسه عليه وعلى نور، وأخدهم في حضنه ووقعوا كلهم ورا عمود رخام ضخم في صالة القصر، بالتزامن مع صوت ضرب نار كتم الصوت بدأ يخرم الحيطة والرخام من حوليهم. في نفس اللحظة، العداد وصل لـ (صفر).. والجهاز اللي في إيد عامر اتهز وطلع منه شعاع ليزر أزرق صغير ضرب في وسط أرضية الصالة بالضبط. فجأة، وبدون أي مقدمات، ترزيع الرصاص وقف، وسمعوا صوت ميكانيكي تقيل.. أرضية الرخام اتفصلت عن بعضها وظهرت منها بوابة حديد حديد بتفتح لـ تحت، طالع منها سلم ضلمة ملوش آخر، وريحة ورق قديم وتراب مغطي المكان. الشخص اللي وراء القناع زعق لرجاله: "هاتوا الجهاز بسرعة قبل ما البوابة تقفل!"، مهران زق عامر ونور لداخل البوابة وقاله وهو بينزف وبيموت: "انزل يا عامر.. اقفل البوابة من جوه.. أنا تيت لحد هنا، وسري وسر أبوك هتلاقيه تحت.. سامحني يا ابن الغالي." عامر دمعته نزلت بس مكنش فيه وقت، شد أختها نور ونزلوا جري على السلم، ومداش فرصة لرجالة القناع؛ ضغط على الزرار الأحمر اللي ظهر في الحيطة، فالبوابة الحديد اتأفلت فوقيهم بعنف ورجعت أرضية الرخام زي ما كانت، لتقطع عنهم أي صوت برة. المكان تحت كان عبارة عن ممر طويل منور بلمبات طوارئ صفراء خافتة بتشتغل تلقائي. مشيوا والبيت بيتهز فوقيهم من محاولات تفجير البوابة، لحد ما وصلوا لآخر الممر.. وهناك كانت الصدمة الكبيرة. المكان مكنش مخزن فلوس ولا دهب.. دي كانت غرفة عمليات سرية مليانة شاشات بتعرض تسجيلات وفيديوهات قديمة، وفي نص الأوضة مكتب خشب عليه صورة كبيرة لأبوهم المحجوب، وجنبها ملف أسود ضخم مكتوب عليه بالخط العريض: (مشروع التطهير: عائلة الجبالي). عامر قرب بخطوات مرعوبة وفتح الملف، وأول ما عينيه جت على السطور الأولى، جسمه اتجمد تماماً والملف وقع من إيده من كتر الذهول. على الشاشة الرئيسية، اشتغل فيديو مسجل لأبوه المحجوب، كان باين فيه التعب والهم، وبص للكاميرا وكأنه شايف عامر وقال: "لو بتشوف الفيديو ده يا عامر.. يبقى أنا مت، ويبقى أنت فتحت الصندوق.. أنا أسف يا ابني.. أنا مكنتش بهرب بيك من عتمان عشان الفلوس.. أنا كنت بهرب بيك لأن عيلة الجبالي كلها، وأنا منهم، كنا بندير أكبر شبكة دولية لـ..." فجأة، الشاشات كلها قطعت، وصوت ضحكة باردة طلعت من ركن ضلمة جوة الأوضة السرية نفسها! الشخص صاحب القناع الأسود كان قاعد على كرسي في الضلمة مستنيهم، وقلع القناع بكل هدوء.. عامر صرخ من الصدمة ونور استخبت وراه.. الشخص ده مكنش غريب، ده كان الشخص اللي عامر عاش طول عمره فاكر إنه مات من سنين! مين اللي قاعد مستنيهم تحت الأرض؟ وإيه السر المرعب اللي أبو عامر اعترف بيه في الفيديو وهيغير مسار الحرب كلها؟ الشخص اللي قاعد في الضلمة قام وقف بكل هدوء، والضوء الأصفر الخافت لمس ملامحه.. الصدمة شلت لسان عامر ونور لدرجة إن الهوا وقف في صدورهم.. الراجل ده كان أبوهما! "المحجوب الجبالي" بنفسه! المحجوب مكنش مات.. ملامحه كانت أملأ بالقسوة والتجاعيد عن زمان، ولابس بدلة سودا فخمة مفيهاش غلطة. بص لعامر ونور بنظرة باردة مفهاش أي حنان من بتاع زمان، وقال بصوت رخيم يقطع النفس: "أهلاً بيكم في بيتي الحقيقي يا أولادي.. اتخرتوا أوي." عامر رجع خطوة لورا وهو ساند أخته اللي كانت بتترعش وتبكي، وصرخ بصوت مبحوح: "أنت؟! إزاي؟! مهران قالي إنك اتق*تلت.. عتمان قالي إنك موت! إحنا شحتنا لقمة العيش يا أبا! أختي كانت بتموت من الجوع وأنت قاعد هنا؟!" المحجوب ضحك ضحكة خفيفة خالية من أي رحمة وقرب من المكتب: "مهران وعتمان وكلاب السكك دول كانوا مجرد قطع شطرنج في لعبتي يا عامر.. عيلة الجبالي مكنتش مجرد عيلة غنية.. إحنا كنا بندير المنظومة السودة اللي ممشية نص اقتصاد البلد في الس*لاح والتهريب. ولما حسيت إن الحكومة وعصابات برة هيبتلعونا، كان لازم أختفي.. كان لازم أموت في نظر الكل." بص لعامر وكمل بقسوة مرعبة: "رميتكم في الشارع عشان عتمان يصدق إني مت ومسبتش ورايا حاجة.. وعشان أنت تتربى في وسط النار وتطلع صلب مش فرفور.. الجوع والذل اللي عيشتوه كان تمن رخيص عشان الإمبراطورية دي تعيش وتفضل مستنية الوريث القوي اللي هيستلمها.. والشفرة اللي في عقولكم كانت الطريقة الوحيدة عشان تفعّلوا السيستم ده لما تكبروا وتجولي بنفسكم." عامر حس إن خنجر مسموم اضرب في قلبه.. أبوه اللي كان فاكره ملاك والضحية، طلع هو الشيطان الأكبر اللي خطط لكل العذاب ده! المحجوب طلع طبنجتين وحطهم على المكتب، وبص لعامر وقال بنبرة آمرة: "دلوقتي السيستم فتح، وعتمان برة اتمسح، ومهران مات.. اللعبة الكبيرة بدأت يا عامر.. مد إيدك واستلم س*لاح عيلتك، واقعد على كرسي الجبالي.. أو ارفض، وساعتها المكان ده هيبقى مقبرتكم أنت وأختك لأن اللي يدخل هنا وميبقاش معايا.. يبقى عليا!" نور صرخت وشدت جاكت عامر وهي بتموت من الرعب، وعامر بقى واقف في النص.. بين دم مهران اللي مات عشان يحميه، وجبروت أبوه اللي مستنيه يستلم إمبراطورية الدم والفلوس، وبين مس*دسين محطوطين قدامه هما الطريق الوحيد لخروجه صاحي! عامر هيمد إيده وياخد الس*لاح ويتحول لشيطان زي أبوه؟ ولا هيرفض ويواجه الموت جوة الأوضة السرية؟ نهاية اللعبة بدأت.. والكل مستني الحركة الجاية! عامر بص للمس*دسين اللي على المكتب، وبص لوش أبوه اللي اتحول لوش غريب ميعرفوش، وحس إن كل لقمة عيش ناشفة شحتها في الشارع، وكل دمعة نزلت من عين أخته نور بسبب الجوع، كانت تمن للبدلة الفخمة اللي أبوه لابسها والكرسي اللي قاعد عليه. الشر والغل اللي كان جوه عامر من ظلم عمه اتقلب كله ناحية أبوه. وطي ببطء، ونور صرخت: "لأ يا عامر.. متلمسهمش!"، بس عامر مد إيده وسحب المس*دسين في ثانية واحدة.. عينين المحجوب لمعت بابتسامة نصر وافتكر إن ابنه خلاص بقا تلميذه، وقاله: "عفارم عليك يا ابن الجبالي.. الدم عمره ما يبقى مية." لكن عامر مرفعش الس*لاح في وش أعداء أبوه.. عامر رفع الفردتين ووجهم في وش المحجوب نفسه! المحجوب ابتسامته اختفت، وملامحه اتقلبت لغضب مرعب: "أنت بتعمل إيه يا غبي؟ أنا أبوك! أنا اللي عملت كل ده عشانك!".. عامر صرخ بصوت زلزل الحيطة الخرسانية: "أنت مش أبويا!.. أبويا مات يوم ما سابنا للكلاب تنهش فينا عشان يحمي وساخته وفلوسه! مهران الغريب مات عشان يحمينا.. وأنت القريب رميتنا في النار! إمبراطوريتك دي هتهد على دماغك ودماغنا الليلة!" وقبل ما المحجوب ياخد أي رد فعل، عامر مأداش فرصة لحد.. وضغط على الزناد! بس الرصاصة ملوجهاش لصدر أبوه.. عامر ضرب النار على شاشات العمليات والسيستم الرئيسي بتاع الأوضة السرية! الشاشات بدأت تتفجر وتطلع شرار، وأجهزة الأمان بدأت تضرب إنذار أحمر بهستيريا، وصوت آلي اشتغل في الأوضة: (تنبيه: تم تفعيل التدمير الذاتي للمقر.. المتبقي 60 ثانية). المحجوب جن جنونه وصاح زي المجنون: "خربت بيتنا! ضيعت شقى عمري!" وهجم على عامر عشان ياخد منه الس*لاح، وفي اللحظة دي، الغرفة بدأت تتهد والخرسانة تقع من السقف. عامر شال نور بـ إيد واحدة، وبالإيد التانية ضرب طلقة في الهوا عشان يبعد أبوه عنه، وجرى بأقصى سرعة ناحية السلم والممر والبيت بيولع وراه. أول ما وصل للبوابة الحديدية، لقى مهران لسه فيه الروح وبيحاول يزق الرخام عشان يفتح لهم.. عامر بمساعدة مهران زقوا البوابة وطلعوا للصالة برة، والنار بدأت تخرج من القبو وراهم وتلتهم القصر كله. المحجوب لسه تحت بيحاول ينقذ الملفات، وفجأة القصر كله ات هز بانفجار مرعب من تحت الأرض دفن السر والإمبراطورية والمحجوب تحت التراب للأبد. خرج عامر في وسط الليل، شايل أخته، وساند مهران اللي بيتنفس بالعافية.. بص وراه للقصر اللي بقى كوم رماد، وطلع رزمة الفلوس اللي مهران سابهاله في الجاكت.. رماها في الأرض وبص لنور وقالها: "اللعنة انتهت يا نور.. ومش هناخد من دم الجبالي مليم واحد.. إحنا هنبدأ من الصفر، بس بكرامتنا." العربيات البوليس كانت بتقرب من بعيد وصوت السرينات بيملى المكان.. عامر مشي في الضلمة وهو مش عارف بكره مخبي له إيه، بس عارف حاجة واحدة.. إن وريث الجبالي مات في الانفجار، والولد اللي بيدور على لقمة عيش حلال لأخته.. هو بس اللي عاش! صوت سرينات البوليس بقا قريب جداً، والأضواء الحمراء والزرقاء بدأت تنور الشوارع الضلمة المحيطة بالقصر اللي كان بيتحول لرماد. مهران ساند على كتف عامر، ونفسه بيضيق أكتر، بـص للولد وقاله بصوت طالع بالعافية: "الشرطة مش جاية تلحقنا يا عامر.. الشرطة جاية تقبض على أي حد ليه علاقة بالمحجوب.. لو اتمسكت هنا، تاريخ أبوك كله هيتكتب باسمك وأنت هتدفع تمن جرايمه.. سيبني واجري." عامر بصلة بصلابة وقال: "أنا مسبتش أختي عشان أسيبك.. أنت اللي باقيلي من ريحة السند الحقيقي." عامر شال نور على كتافه، وسند مهران بكل قوته، ودخلوا بين البيوت الكحيل القديمة ورا القصر، واختفوا في وسط شوارع مصر الضيقة قبل ما أول عربية بوليس تقف قدام الحريق. الفجر بدأ يشقشق بنوره الخفيف، وعامر لقى نفسه في منطقة غريبة على أطراف القاهرة، تعبان، وجعان، وهدمته متبهدلة بتراب الانفجار ودماء مهران. مهران قعد على رصيف حيطة متهالكة، وبص لعامر بنظرة أخيرة، وطلع من جيبه مفتاح صغير قديم مصدي، وحطه في إيد عامر وقاله: "ده مفتاح لـ دكانة قديمة بتاعة أبويا الله يرحمه في وسط الوكالة.. مقفولة من تلاتين سنة ومحدش يعرف عنها حاجة.. روح هناك واستخبى.. وابدأ حياتك يا ابن المحجوب.. طهر اسم عيلتك باللقمة الحلال." مهران غمض عينيه، وأنفاسه سكتت تماماً.. مات الراجل اللي عاش حارس للسر، ومبقاش فاضل في الدنيا غير عامر ونور. عامر منهارش، الدموع جفت في عينيه، وبقى جواه طاقة تبرق من العزم.. أخد المفتاح، وشال أخته نور اللي كانت بتترعش من البرد والدموع في عينيها، ومشي وسط زحمة الناس اللي بدأت تنزل لشغلها الصبح.. ومحدش في الشارع كان يعرف إن الولد المبهدل ده، هو اللي هد إمبراطورية بمليارات من كام ساعة بس. بعد سنة كاملة... الشمس طالعة بتنور لافتة خشبية جديدة مكتوب عليها بخط واضح: (مخبز الأمانة - لصاحبه عامر الجبالي). المكان كان نضيف، وريحة العيش الصابح تفتح النفس، وعامر واقف ورا الفرن بيلف العيش في أكياس، ونور أخته كبرت وبقت واقفة جنبه بضحكة مالية وشها، بتسلم الزباين وهي لابس فستان جميل ومنور. عامر مد إيده وادا كيس عيش سخن لولد صغير يتيم كان واقف باصص للفرن بكسرة، وقال للولد بابتسامة حنينة: "كل يوم تعدي تاخد نصيبك أنت وأخواتك يا بطل.. ببلاش." الولد مشي فرحان، وعامر بص لإيده الخشنة من التعب والرضا، وابتسم وهو حاسس إن طعم لقمة العيش الحلال أحسن من ملايين الدنيا.. وفجأة.. وقفت عربية سودا فخمة قدام المخبز.. ونزل منها راجل حاطط إيده في جيبه، وبص لعامر ونادى عليه بنبرة صوت خلت قلب عامر يقف وعينيه تبرق بصدمة: "عاش من شافك يا ابن المحجوب.. فاكر إنك لما تحرق القصر السر هيموت؟.. عيلتك الكبيرة في الصعيد مستنياك، والورق الحقيقي لسه في إيدينا!" عامر اتسمر في مكانه.. والحرب اللي افتكر إنها انتهت، طلعت لسه بتبدأ من جديد، بس المرة دي.. على أرضه هو!