سر الولد الصغير حكايات صافي هاني

​العربيات البوليس كانت بتقرب من بعيد وصوت السرينات بيملى المكان.. عامر مشي في الضلمة وهو مش عارف بكره مخبي له إيه، بس عارف حاجة واحدة.. إن وريث الجبالي مات في الانفجار، والولد اللي بيدور على لقمة عيش حلال لأخته.. هو بس اللي عاش!

 

صوت سرينات البوليس بقا قريب جداً، والأضواء الحمراء والزرقاء بدأت تنور الشوارع الضلمة المحيطة بالقصر اللي كان بيتحول لرماد. مهران ساند على كتف عامر، ونفسه بيضيق أكتر، بـص للولد وقاله بصوت طالع بالعافية: “الشرطة مش جاية تلحقنا يا عامر.. الشرطة جاية تقبض على أي حد ليه علاقة بالمحجوب.. لو اتمسكت هنا، تاريخ أبوك كله هيتكتب باسمك وأنت هتدفع تمن جرايمه.. سيبني واجري.”

​عامر بصلة بصلابة وقال: “أنا مسبتش أختي عشان أسيبك.. أنت اللي باقيلي من ريحة السند الحقيقي.” عامر شال نور على كتافه، وسند مهران بكل قوته، ودخلوا بين البيوت الكحيل القديمة ورا القصر، واختفوا في وسط شوارع مصر الضيقة قبل ما أول عربية بوليس تقف قدام الحريق.

​الفجر بدأ يشقشق بنوره الخفيف، وعامر لقى نفسه في منطقة غريبة على أطراف القاهرة، تعبان، وجعان، وهدمته متبهدلة بتراب الانفجار ودماء مهران. مهران قعد على رصيف حيطة متهالكة، وبص لعامر بنظرة أخيرة، وطلع من جيبه مفتاح صغير قديم مصدي، وحطه في إيد عامر وقاله: “ده مفتاح لـ دكانة قديمة بتاعة أبويا الله يرحمه في وسط الوكالة.. مقفولة من تلاتين سنة ومحدش يعرف عنها حاجة.. روح هناك واستخبى.. وابدأ حياتك يا ابن المحجوب.. طهر اسم عيلتك باللقمة الحلال.”

​مهران غمض عينيه، وأنفاسه سكتت تماماً.. مات الراجل اللي عاش حارس للسر، ومبقاش فاضل في الدنيا غير عامر ونور.

​عامر منهارش، الدموع جفت في عينيه، وبقى جواه طاقة تبرق من العزم.. أخد المفتاح، وشال أخته نور اللي كانت بتترعش من البرد والدموع في عينيها، ومشي وسط زحمة الناس اللي بدأت تنزل لشغلها الصبح.. ومحدش في الشارع كان يعرف إن الولد المبهدل ده، هو اللي هد إمبراطورية بمليارات من كام ساعة بس.

​بعد سنة كاملة…

الشمس طالعة بتنور لافتة خشبية جديدة مكتوب عليها بخط واضح: (مخبز الأمانة – لصاحبه عامر الجبالي).

المكان كان نضيف، وريحة العيش الصابح تفتح النفس، وعامر واقف ورا الفرن بيلف العيش في أكياس، ونور أخته كبرت وبقت واقفة جنبه بضحكة مالية وشها، بتسلم الزباين وهي لابس فستان جميل ومنور.

​عامر مد إيده وادا كيس عيش سخن لولد صغير يتيم كان واقف باصص للفرن بكسرة، وقال للولد بابتسامة حنينة: “كل يوم تعدي تاخد نصيبك أنت وأخواتك يا بطل.. ببلاش.”

​الولد مشي فرحان، وعامر بص لإيده الخشنة من التعب والرضا، وابتسم وهو حاسس إن طعم لقمة العيش الحلال أحسن من ملايين الدنيا..

​وفجأة.. وقفت عربية سودا فخمة قدام المخبز.. ونزل منها راجل حاطط إيده في جيبه، وبص لعامر ونادى عليه بنبرة صوت خلت قلب عامر يقف وعينيه تبرق بصدمة: “عاش من شافك يا ابن المحجوب.. فاكر إنك لما تحرق القصر السر هيموت؟.. عيلتك الكبيرة في الصعيد مستنياك، والورق الحقيقي لسه في إيدينا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *