اختهم التالته توفت

لما نورا ماتت، بيتنا نسي إزاي يطلع صوت.
شبشبها فضل في الصالة لأسابيع عشان أمي مكنتش قادرة تشيله من مكانه. فرشة سنانها فضلت جنب فرشنا. سريرها الفاضي بقى عبارة عن حتة صمت مفيش حد فينا عارف يقرب منها.
بس الحتة الأوحش مكنتش مجرد إننا مفتقدينها.
الأسوأ هو اللي غيابها عمله فيا أنا وليلى.
الحزن مقربناش من بعض. ده حدف كل واحدة فينا في ناحية تانية من نفس الوجع.
لمدة عشر سنين، كنا بنطفي الشمع لشخصين، وإحنا بنفتكر في سرنا إننا تلاتة.
في سن اتناشر سنة، تمنيت إن نورا ترجع.
في سن تلاتاشر، تمنيت إن أمي تبطل عياط وهي بتغسل الهدوم.
في سن اربعتاشر، تمنيت إن ليلى ترجع تتكلم معايا زي زمان.
ولما وصل عيد ميلادنا الواحد وعشرين، كنت فاكرة إني خلاص اتعلمت أعيش مع الفراغ ده.
بس طلعت غلطانة.
الصبح ده، رحت أنا وليلى بيت أمي عشان نفطر. حضنا بعض حضن سريع ومتردد، من النوع اللي بيبان كأنه حذر وخوف أكتر من إنه حب.
أوضة السفرة كانت متزينة ببلالين دهبي.
تورتة صغيرة كانت محطوطة على البوفيه.
وعلى الترابيزة كان فيه تلات أطباق.
محدش فينا نطق بكلمة.
وفي وسط الفطار، دخلت أمي وهي شايلة صندوق خشب صغير ومثبتاه على صدرها. إيديها كانت بتترعش.
حطته وسطنا.
معدتي اتعقدت قبل ما أفهم حتى في إيه.
فوق الصندوق كان فيه ظرف أصفر قديم.
الخط اللي مكتوب بيه خلاني أشرق وأقطع النفس.
كنت هعرف الخط ده لو شفته فين.
”يتفتح في عيد ميلادنا الواحد وعشرين.”
الشوكة وقعت من إيد ليلى.
أمي خبت بوقها والدموع مغرقة عينيها.
همست أمي وقالت: “هي اللي عملت ده قبل ما تموت. قالت لي: هما هيحتاجوني لما يكبروا كمان.”
لأول مرة من سنين، ليلى مدت إيدها تحت الترابيزة.
ولأول مرة من سنين، مسكت في إيدها جامد.
وبإيدين بتترعش، رفعت الغطا.
واتصدمت.
فتحت الصندوق، ونفسي اتقطع من اللي شفته جوه.
مكانش فيه دهب ولا حاجات غالية، كان فيه ذكريات. تلات أساور خيط كانت هي اللي غازلاهم بإيديها قبل ما تموت، مكتوب عليهم أسامينا احنا التلاتة. وجنبهم ألبوم صور صغير مجمعانا وإحنا بنضحك، وفوقهم تلات جوابات مقفولين، كل جواب مكتوب عليه اسم واحدة فينا، والجواب التالت مكتوب عليه: “ليلى وأختي حبيبتي.. اقروه سوا”
أمي كانت بتعيط بصوت مكتوم وهي شايفانا مذهولين، وليلى مسكت الجواب اللي باسمنا احنا الاتنين وإيدها بتترعش تماماً، وفتحت الورقة الصفرا القديمة.
خط نورا الصغير المهزوز بسبب التعب كان كاتب:
”عارفة إنكم دلوقتي عندكم 21 سنة، وأكيد بقيتم أحلى وأكبر بكتير. أنا مش معاكم بجسمي، بس أنا لسه الحاكمة الرسمية لعالمنا الصغير، وفاكرين؟ السبع دقايق بتوعي لسه بيحكموا! أنا سيبت لكم الصندوق ده عشان أقولكم إنكم مش نصين مكسورين.. أنتوا الاتنين بتكملوا حكاية واحدة أنا عشتها معاكم. بطلوا تبعدوا عن بعض، وافتكروا إن القائد دايماً بيحمي الطرفين.. ودلوقتي دوركم تحموا بعض.”


