جوزي خاني حكايات صافي هاني

​مسح دموعه وكمل بنبرة رجاء: “أنا جاي أطلب منك تسامحيني.. وجاي أطلب منك شغل. أي شغل في مكتبك.. أنا درست إدارة أعمال وأقدر أفيدك.. أرجوكي يا إيفلين، متسيبينيش أموت من الجوع، أنتي كنتي مراتي.”

​بصيت لوشه المكسور، واقتربت بضهري لقدام على المكتب، وبصيت في عينيه مباشرة وقلتله بكل هدوء:

“فاكر يوم الحفلة السنوية؟ لما جيت ووشوشتني وقلتلي ‘بلاش تفضحيني الليلة دي’؟ أنا مفضحتكش.. أنت اللي فضحت نفسك بغبائك وطمعك. وفاكر لما سبتني في العيادة زمان وقلت للدكتور ‘مراتي بتشيل التفاصيل المقرفة’؟”

​وقفت، ومشيت لحد باب المكتب وفتحته وقفت جنبه: “التفاصيل المقرفة دي هي اللي خلتني واقفة على رجلي دلوقتي، وهي اللي خلتك واقف قدامي بتطلب الشفقة. أنا م بكرهكش يا مارتن.. أنا مبقيتش شيفاك أصلاً. الشغل عندي بالكفاءة والأمانة.. وأنت معندكش لا دي ولا دي.”

​بصلي وهو عارف إن مفيش أمل، قام وقف وجر رجليه لبره وهو حاطط راسه في الأرض.

​قَفلت الباب وراه، ورجعت قعدت على مكتبي. بصيت من الشباك على زحمة الشارع والشمس الحامية.. وأخدت نفس طويل قوي.

​الحكاية مكنتش مجرد انتقام.. الحكاية كانت إن كل واحد في النهاية بيقعد على الكرسي اللي يليق بمقامه.. وأنا مقامي كان فوق، وهو اختار القاع بنفسه.

 

عدت سنة كمان، وفي يوم من الأيام، كنت معزومة في أكبر حفل سنوي لرجال وسيدات الأعمال في البلد. الحفلة دي كانت بتفكرني بنفس الحفلة اللي بدأت عندها كل حاجة من تلات سنين، بس الفرق المرة دي.. إني مدخلوش وأنا مأبّطة إيد راجل خاين والناس بتبصلي بالشفقة.

​أنا دخلت القاعة دي وأنا “إيفلين فوس” — الاسم اللي احتفظت بيه عشان أهين بيه تاريخ عيلتهم — رئيسة واحدة من أكبر مجموعات الاستشارات القانونية، والكل بيوسع لي السكة عشان يسلم عليا ويطلبوا ودّي.

​وأنا واقفة بتكلم مع رئيس مجلس إدارة بنك استثماري كبير، ولمحت بطرف عيني حركة عند الباب الجانبي للقاعة، مكان ما الويترز والعمال بيدخلوا ويخرجوا بالطلبات.

​لمحت راجل شايل صينية تقيلة وعليها كاسات عصير، ضهره كان محني شوية، وشعره غزا فيه الشيب بشكل مش طبيعي بالنسبة لسنه. الراجل ده كان مارتن.

​وقف لثواني يمسح عرقه بـ “فوطة” كانت على كتفه، وبص للقاعة.. وعينيه جت في عيني بالظبط.

​في اللحظة دي، شفت في عينيه كل أنواع الحسرة والندم اللي في الدنيا. شفت الراجل اللي كان في يوم من الأيام فاكر إن العالم كله ملك إيديه، وهو دلوقتي بيخدم على نفس الناس اللي كان بيقعد معاهم على ترابيزة واحدة.

​الويتر التاني نده عليه وزقه عشان يتحرك، فـ نزل راسه في الأرض ومشي بسرعة وهو مستخبي من نظرات الناس.

​أنا محركتش ساكن، م تكسفتش، وم حسيتش بـ شماتة.. حسيت بس بـ “عدالة”.

​لفيت وشي ورجعت كملت كلامي مع رجل الأعمال بكل هدوء، ورفعت كاس العصير بتاعي لفوق وكأني بنخب حياتي الجديدة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *