كانت بتحارب المرض حكايات صافي هاني

​الأوضة كلها سكتت.

​مديت إيدي وأخدت الظرف.

​أبويا افتكرني باستسلم.

​بس أنا حطيته في شنطتي ووقفت.

​إيده اتحركت ناحيتي.

​وفي ثانية واحدة مرعبة، شفت بالظبط أهلي مستعدين يعملوا إيه عشان يداروا على غلاط إيفان.

​بس قبل ما حد يقدر يجبرني امضي، تليفوني رن.

​ولما ظهر اسم المحامي بتاعي على الشاشة، وشوش كل اللي في المطبخ قطعت الدم…

رديت على المكالمة وفتحت الاسبيكر عشان الصوت يبقى واضح في المطبخ كله.

​صوت المحامي بتاعي طلع قوي وهادي: “أهلاً يا آنسة، أنا بس ببلغك إن المحضرين في طريقهم للبيت دلوقتي ومعاهم أمر عدم تعرض، وكمان جهزنا بلاغ رسمي للنيابة بكل تسجيلات التهديد والابتزاز اللي بعتيهالي، بما فيها القعدة اللي شغالة دلوقتي حالاُ.. أنا سامع كل حاجة والخط مفتوح معايا للشرطة.”

​السكوت اللي حل في المطبخ كان مرعب. أبويا إيده اللي كانت ممدودة ناحيتي اتسمرت في مكانها، ووشه اللي كان مليان غل فجأة كش ولونه خطف. أمي حطت إيدها على بوقها وبصت لإيفان بذهول، وإيفان نفسه قام وقف والساعة الـ 900 دولار في إيده كانت بتترعش.

​بصيت لأبويا في عينه بكل القوة اللي باقيالي وقلتله: “أخويا محتاج الفلوس دي عشان يداري على قرفه، بس أنا محتاجة حياتي.. وحياتي غالية عليا أوي، أغلى منكم كلكم.”

​أمي بدأت تعيط وتتوسل: “إنتي هتحبسي أخوكي؟ هتهدي البيت؟”

رديت عليها وأنا بظبط الشنطة على كتفي: “البيت ده اتهد من زمان.. اتهد من يوم ما قولتوا إن موتي مش مهم.”

​مشيت خطوتين ناحية الباب، ولفيت وبصيت لإيفان: “الساعة دي شكلها شيك أوي.. اعرضها للبيع من دلوقتي، لأنها مش هتكفي حتى تمن الكفالة اللي هتدفعها.”

​سبتهم واقفين في المطبخ زي التماثيل، وخرجت بره البيت.. لأول مرة من سنين كنت حاسة إني قادرة أتنفس، ورغم المرض والتعب، كنت عارفة إن الخطوة الجاية في حياتي هعيشها لنفسي وبس.

نزلت السلم وجسمي كله كان بيترعش، مش من الخوف، لكن من كمية الأدرينالين اللي جرت في دمي فجأة. لأول مرة أحس إن وزن جبل انزاح من على نفسي.

​فتحت باب العمارة، ولقيت بوكس شرطة لسه واقف بره، ونزل منه المحامي بتاعي ومعاه اتنين عساكر. المحامي بصلي واطمن إني كويسة، وبعدين شاور للعساكر وطلعوا على شقتنا.

​أنا مأستنيتش أشوف هيحصل إيه، ومحببتش أشوف شكل أبويا وأخويا وهما بيتاخدوا. ركبت أول تاكسي قابلني وطلعت على المستشفى علطول. دخلت مكتب دكتور الأورام المتابع لحالتي، وحطيت الظرف اللي فيه الفلوس على مكتبه، وقلتله بدموع محبوسة: “دكتور.. أنا جاهزة للعملية، وفي أقرب وقت ممكن.”

​الدكتور بتسم وقالي: “كويس جداً يا بنتي، إحنا كنا مستنيين الإجراء ده، جهزي نفسك، هتدخلي العمليات بعد بكرة الصبح.”

​الشهرين اللي جم بعد كده كانوا أصعب وأجمل شهرين في حياتي. العملية نجحت، وفترة النقاهة قضيتها في شقة صغيرة أجرتها لوحدي على النيل، بعيد عن سموم عيلتي. تليفوني كان مقفول تماماً عنهم، ومكنتش بعرف أخبارهم غير من المحامي بتاعي.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *