بيخدم جاره العجوز 2حكايات صافي هاني

فتحت الرسالة المبلولة بدموعي وبقيت أقرا كلامه وأنا مش مصدق، شريط الـ 12 سنة كله بيعدي قدام عيني.. افتكرت ضحكته الطيبة، وكوباية الشاي الخمسينة اللي كنا بنشربها مع بعض، ودعواته ليا من قلب الصافي كل ما أدخل عليه بأكياس الخضار.

​قعدت على الأرض والفلوس حواليا، بس مكنتش شايف الفلوس خالص، كنت شايف الراجل العجوز اللي عاش وحيد ومات وحيد، ومكنش ليه في الدنيا دي كلها ونيس غير العبد لله. عرفت وقتها إن ربنا سبحانه وتعالى مبيضيعش أجر المحسنين، وإن جبر الخواطر وحق الجار اللي وصانا عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ثوابه بيجي في الدنيا قبل الآخرة.

​لميت الفلوس ورجعتها الشنطة، وقبل ما أفكر هعمل بيها إيه، اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، ودعيت لعم عزت بالرحمة والمغفرة، وعاهدت نفسي إن أول جزء من الفلوس دي هيطلع صدقة جارية على روحه، عشان يفضل ثوابه شغال ومينقطعش أبداً.. الله يرحمك يا عم عزت ويحسن إليك، كنت نعم الجار ونعم الأب.

 

بعد ما صليت ودعيتله، قعدت أفكر في المسؤولية الكبيرة اللي بقت في إيدي فجأة دي. الفلوس دي مكنتش مجرد ثروة نزلت عليا من السماء، دي كانت أمانة وشقا عمر راجل غالي، وثمن لليالي عزلة طويلة كان عم عزت بيحاول يهرب منها بكلامنا البسيط كل يوم حد.

​نزلت تاني يوم على طول ورحت للمحامي عشان أخلص كل الإجراءات القانونية وأتأكد إن كل حاجة ماشية صح ومفيش أي شبهة أو حد من قرايبه يظهر فجأة، والمحامي أكد لي إن عم عزت ملوش أي قرايب من الدرجة الأولى ولا الثانية، وإنه كتب كل حاجة باسمي بيع وشراء رسمي وموثق عشان يضمن إن الأمانة توصل لصاحبها.

​أول حاجة عملتها بالفلوس دي، إني روحت لجمعية خيرية كبيرة في منطقتنا، واتفقت معاهم على بناء “مستوصف طبي ومكتبة لتحفيظ القرآن” باسم عم عزت، عشان تفضل صدقة جارية ترفع درجاته في الجنة وتفضل سيرته الطيبة موجودة وسط الناس اللي عاش بينهم.

​أما الشقة بتاعته، فرفضت تماماً إني أبيعها أو أأجرها.. سبتها زي ما هي، وكل يوم حد، بقيت أدخل أهويها، وأعمل كوباية الشاي اللي كان بيحبها، وأقعد أقرأ له الفاتحة وربعين من القرآن على روحه.. الدنيا أصلها أيه غير سيرة طيبة وجار يسأل عليك ودعوة حلوة تنجيك بعد ما تفارقها؟ ربنا يرحمك يا عم عزت ويجمعنا بيك في الجنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *