اختفاء بنتها٢ حكايات صافي هاني

الكلام وقف في زوري، ومبقتش قادرة حتى أصرخ. التليفون والمذكرات وقعوا من إيدي على الأرض.
أحمد قرب خطوة جوه الأوضة، وقفل الباب وراه براحة بالترباس. الصوت ده خلّى قلبي يقف. عينيه كانت مثبتة عليا ببرود مش بشري، ونظرة الحزن والكسرة اللي عاش بيها حداشر شهر اختفت تماماً، وحل مكانها هدوء مرعب.
وطّي على الأرض، ولم المذكرات والتليفون بحرص شديد، ونفض التراب من عليهم كأنهم ألعابه المفضلة. بصلي وقال بصوت واطي وهادي:
“أنا مكنتش عايزك تعيشي العذاب ده يا أمي.. إنتي اللي دورتي بنفسك.”
رجعت لورا لغاية ما ضهري خبط في الحيطة، ودموعي نازلة مش قادرة أوقفها. سألته بصوت بيترعش ويموت: “ليه يا أحمد؟ دي أختك.. توأمك! عملت فيها إيه؟”
أحمد اتنهد وقعد على السرير، وحط المذكرات في حِجره وقال:
“أختي؟ ندى مكنتش مجرد أخت.. ندى كانت روحي. بس هي مكنتش شايفة ده. كانت عايزة تبعد، كانت بتخطط تسافر وتعيش حياتها وتسبني لوحدي هنا. أنا مقدرتش أتحمل فكرة إنها تكمل حياتها مع حد تاني أو في مكان تاني من غيري. في الليلة دي، ورا المدرسة، قلتلها بلاش تسافري.. بس هي صممت وعيطت وقالت إني مجنون. مكنش قدامي حل تاني.. كان لازم تفضل معايا للأنفاس الأخيرة.”
سألته والرعب قالب بطني: “ج*ثتها فين يا أحمد؟ الشرطة قلبت النهر والغابة!”
أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة، وبص للكرسي الأصفر المفتوح على الأرض، وقال بنبرة خلت شعر جسمي كله يقف:
“الشرطة غبية يا ماما.. بيدوروا في المية والشجر. ميعرفوش إن ندى محبتش تبعد عن أوضتنا.. الكرسي ده مكنش محشي قطن وإسفنج وبس يا أمي.. الكرسي ده جواه رماد ندى.. أنا حرقتا هناك في الغابة ورا المدرسة ليلة الحفلة، وجبت رمادها كله هنا.. وخيطت عليه. هي طول الوقت ده كانت قاعدة معانا.. في وسطنا.. ومحدش حس بيها.”
في اللحظة دي، برود جسمي اتحول لطاقة رعب خلتني أزق أحمد بكل قوتي، وفتحت ترباس الباب وجريت في الصالة وأنا بصرخ بأعلى صوت عندي. فتحت باب الشقة ونزلت على السلم بجري زي المجنونة في الشارع، والناس بدأت تتلم عليا وأنا بصرخ: “ابني قاتل.. أحمد ق*تل ندى!”.
الشرطة جت في دقايق وقبضوا على أحمد، اللي مأبداش أي مقاومة، بالعكس.. كان بيبتسم وهو راكب بكس الشرطة وباصصلي من الشباك.
البيت اتقفل بالشمع الأحمر، وأنا دلوقتي قاعدة عند قرايبي، مش قادرة أنام، وكل ما أغمض عيني بفتكر شكل الكرسي الأصفر.. وبفتكر إني فضلت حداشر شهر كاملين، بدخل أوضة ابني، وبقعد على الكرسي ده وأنا بعيط وبدور على بنتي.. ومكنتش أعرف إني قاعدة فوق ج*ثتها.
فتحت باب الشقة وبقيت بجري في الصالة زي المجنونة، دقات قلبي كانت مسموعة في وداني وصوت أحمد ورايا وهو بيجري وبيهمس ببرود: “مش هتلحقي يا أمي.. مش هسيبك تمشي”.
وصلت لباب الشقة وبكل قوتي فتحت القفل، ورميت نفسي على السلم وبقيت أنزل السلالم تلاتة تلاتة وأنا بصرخ في عمارة غرقانة في كحل الليل: “الحقوني! أحمد قت*ل أخته! الحقوني!”.


