بنني اختارت عامل النظافه حكايات صافي هاني

بنتي اختارت الفراش بتاع المدرسة عشان يمشي معاها في ساحة التخرج بدلي أنا.. حسيت بالإهانة والكسرة، لحد ما طلع ظرف قديم من جيبه وقال: “أمها هي اللي طلبت مني أعمل كده”.
أنا اللي ربيت بنتي “هايلي” لوحدي تماماً. أمها اتوفت وهي بتولدها، ومن اليوم ده أخدت على نفسي عهد ووعد:
”هايلي” عمرها ما هتحس إنها ناقصها نص عيلة.
وعشان كده لما جه يوم التخرج، كنت متأكد وشايف المشهد هيمشي إزاي في خيالي. كانوا قايلين لكل طالب في سنة رابعة يختار شخص واحد ساعده عشان يرافقه وهو ماشي في الساحة.
أنا كويت قميصي مرتين الصبح ده.
وبعدين ندهوا على اسمها.
و”هايلي” مأتش إيدها عشان تمسك إيدي.
دي مشيت من جنبي وعدتني، وأخدت في إيد فراش المدرسة. الراجل ده شغال في المدرسة من أيام ما أنا نفسي كنت طالب فيها.
”هايلي” قالتله بصوت واطي وحنين: “تسمحلي باللي الشرف وتمشي معايا على المسرح؟”
الاستاد كله بدأ يوشوش ويهمس.
”مش ده الفراش؟”
”أومال أبوها فين؟”
”يا عيني عليه.. راجل غلبان.”
واحد من أولياء الأمور كان قاعد جنبي لف وسألني: “كله تمام؟”
بالعافية عرفت أرسم ابتسامة باهتة على وشي وقلتله:
“آه، هايلي دايماً بتطلع بتقاليع وحاجات غريبة كده.”
عمري في حياتي ما حسيت إني قليل وصغير زي اللحظة دي.
وقفوا عند المسرح.
وفجأة الفراش لف ناحية المايك، وطلع ظرف أصفر قديم من جيب قميصه اللي فوق.
الساحة كلها حطت عليها السكتة والموت. حتى فرقة الموسيقى بطلوا يظبطوا آلاتهم.
أخد نفس طويل بحذر وقال وصوته بيرعش:
“أم البنت دي طلبت مني أقرأ الجواب ده بصوت عالي.. عشان كل الناس تسمعه.. وبالذات أبوها.”
الكلام ده نزل عليا زي الصاعقة.
بصيت بتركيز أكتر على الراجل اللي واقف في الساحة.
انحناءة كتافه.. الأثر والتعويرة اللي في دقنه..
ركبي سابت ومبقتش شايلاني.
بعدها فتح الجواب، ودور عليا بعينه في المدرجات ولما لقاني بدأ يقرأ.. واللي كان جوه الظرف ده خلا نفس كل واحد واقف في المدرجات دي يتكتم.
الفراش فتح الجواب وبدأ يقرأ، وصوته كان بيترعش بس واصل لكل ركن في المكان:
”أنا بكتب الجواب ده وأنا عارفة إن أيامي في الدنيا معدودة، وعارفة إن بنتي هتكبر من غيري. بس أنا مش خايفة عليها، لأني سيباها مع أعظم راجل في الدنيا.. جوزي وحبيبي.
يا حبيبي، أنا عارفة إنك هتموت نفسك عشان تعوضها عن غيابي، وعارفة إنك مش هتحرمها من حاجة وهتكون ليها الأب والأم. وعشان أنا عارفاك كويس، وعارفة إنك مستحيل تطلب المساعدة من حد وهتشيل الحمل كله لوحدك.. أنا طلبت من الراجل الطيب ده، اللي هو في الحقيقة (عمي) اللي تاه من عيلتنا من سنين والظروف خليته يشتغل هنا، إنه يفضل قريب منكم من بعيد لبعيد.
أنا اللي رجوته وتوسلت إليه يشتغل فراش في المدرسة دي بالذات، عشان يطمني عليها ويكون عينيا اللي بتشوفها وهي بتكبر، ويحميها ويسندك من غير ما كبريائك يوجعك أو تحس إنك قصرت.


