راحت تولد لوحدها حكايات صافي هاني

وصلت المستشفى لوحدها خالص عشان تولد. بس بعد لحظات قليلة من ولادة ابنها وخروجه للدنيا، الدكتور بصلها بصه واحدة ودموعه نزلت في ساعتها.
دخلت چيهان من باب مستشفى القصر العيني في صباح يوم تلات ساقط تلج، ومحدش معاها خالص.
لا جوزها.
ولا أهلها.
ولا حتى حد يطبطب عليها ويمسك إيدها يهون عليها.
كل اللي معاها شنطة هدوم قديمة، بلوفر واسع ومبهدل، وتسع شهور من كسرة القلب والوجع اللي اتعلمت تشيلهم لوحدها.
عند مكتب الاستقبال، الممرضة ابتسمتلها بحنية وقالتلها:
“جوزك جاي في الطريق يا مدام؟”
چيهان غصبت نفسها على الابتسامة وردت:
“آه… على وصول إن شاء الله.”
بس دي كانت كدبة.
وائل مشي وسابها من سبع شهور، في نفس الليلة اللي قالتله فيها إنها حامل.
ماحصلش بينهم خناق.
ولا زعيق.
ولا دراما وفضايح.
كل اللي عمله إنه لم هدومه في شنطة، قال حجة هايفة، وقفل الباب وراه ومشي.
السكوت ده وجعها أكتر من أي خناقة وزعيق.
لأسابيع طويلة بعديها، چيهان كانت بتنام ودموعها على مخدتها.
لحد ما جه يوم، وبطلت تعيط.
مش عشان خفت والوجع راح.
لا، عشان مابقاش فيها حيل تتهد أكتر من كده.
أجّرت أوضة صغيرة، واشتغلت شفتين ورا بعض في مطعم، وحوشت كل قرش تقدر عليه. وكل يوم بالليل، كانت تحط إيدها على بطنها اللي بتكبر وتوشوش الحتة اللي جواها:
“أنا هنا معاك.. مش هسيبك أبدًا.”
لما جيلها الطلق، قعدت حوالي 12 ساعة بتموت وتصحى من التعب.
كل طلقة كانت بتسحب روحها ونفسها.
كل دقيقة كانت بتمر كأنها سنة.
وما بين الوجعة والتانية، كانت بتدعي وبتقول نفس الكلمة:
“يارب يطلع سليم ومعافى يارب.”
وأخيرًا، الساعة تلاتة وربع العصر، ابنها شرف الدنيا.
وصوت صرخته الأولى ملا الأوضة.
چيهان رمت راسها ع المخدة ودموعها نازلة مغرقة وشها.
مش دموع حزن.
ولا دموع قهر.
دي كانت دموع راحة.. دموع شكر لربنا.. وحب ملوش آخر.
سألت بصوت تعبان ومكتوم:
“هو كويس؟”
الممرضة ابتسمت وهي بتلف البيبي الصغير بحنية في اللفة:
“زي الفل وبصحة وعافية، قمر ما شاء الله.”
ولسه هتحط البيبي في حضن چيهان، دخل دكتور تاني الأوضة.
الدكتور رأفت الشناوي.
دكتور كبير ومحترم ومعروف بقلبه الميت، وإيديه الغزل اللي بتتوزن بذهب، وعمره ما بيتهز في أي موقف مهما كان صعب.
بص في التذكرة والتقرير الطبي اللي في إيد الممرضة.
وبعدين بص للبيبي.
وفجأة.. وقف مكانها ومتسمر.
الدم هرب من وشه.
إيديه بدأت تترعش.
عينه وسعت من الصدمة.
ومن غير أي مقدمات، عينه اتملت دموع ونزلت على وشه.
لأن في اللحظة اللي شاف فيها الطفل المولود ده، لمح فيه حاجة عمره ما كان يتخيل يشوفها تاني أبدًا.
ملامح.. سر قديم.. حتة من الماضي كان فاكر إنها اتدفنت وخلاص وماتت.
واللي حصل بعد كده.. هيغير حياة كل اللي واقفين في الأوضة دي وللأبد.
الدكتور رأفت فضل واقف متنح، مش قادر ينطق، والبيبي بيصرخ والممرضة بتبص له باستغراب ومش فاهمة في إيه.

