حسابات قديمه حكايات صافي هاني

جوزي رفع البطانية وهو فاكرني بتمارض وبدلع، بس أول ما شاف رجلي المتدغدغة وسمعني وأنا بترجاه: “ماتخليهمش ياخدوا ابني مني”؛ كانت أمه وبنت عمه واقفين بره ومعاهم كومة ورق متمضي جاهز، وهما مش دريانين خالص إن فيه كاميرا مستخبية على وشك إنها تقلب التربيزة وتغير كل حاجة.

​جوزي رفع البطانية لأنه كان فاكرني بتمثل الضعف. في اللحظة اللي شاف فيها الكدمات الزرقاء مسمّعة في رجلي، وشه خطفه الدم وبقى زي اللقمة البيضا – وأنا قمت ماسكة في معصم إيده وهمستله: “ماتخليهمش ياخدوا ابني مني.”

​لأول مرة من تلات سنين، إيثان هارو كان باين عليه الرعب بجد.

​بره أوضتي الخاصة في المستشفى، كانت أمه، ديان، واقفة مستنية وهي حاطة حلق لولي ولابسة طقم شيك وبتتسم وكأنها مالكة الدنيا. وبجنبها كان واقف ماركوس، ابن عم إيثان ومحامي العيلة، بجزمته اللي بتلمع وعينيه اللي مافيهاش رحمـة، وكان حاضن دوسيه جلد ومتبت فيه على صدره.

​جوه الدوسيه ده كان فيه كومة ورق متمضي وجاهز.

​تنازل عن الحضانة. تفويض طبي. طلب تقييم نفسي. وأمر نقل لـ “مركز تعافي خاص.”

​مجهزين كل حاجة من قبل ما أولد حتى.

​إيثان صوته اتهز وهو بيقول: “أنتِ مخبطة ومش في وعيك.”

​ضحكت ضحكة مكتومة وبصوت واطي: “أنا برضه اللي مش في وعيي؟”

​قبلها بساعتين، ديان كانت واقفة فوق راسي وأنا على السرير، وإيثان كان تحت بيرد على تليفون. قربت مني لدرجة إني شميت ريحة برفيومها الغالي.

​وهمستلي: “أنتِ مش متزنة يا ليلي، والكل عارف كده. بعد الولادة، البيبي هييجي معانا البيت، وأنتِ هتروحي ترتاحي في مكان هادي.”

​ماركوس حط الأوراق على الترابيزة اللي قدامي وقال: “امضي، وإلا هنقدم طلب وصاية مستعجل. أنتِ خطر على نفسك وعلى ابنك.”

​لما رفضت، ابتسامة ديان اختفت تماماً. وخلت ممرضتين من اللي دافعالهم يكتفوني، وماركوس بيضغط بالورق عليا. عافرت مع الكام ممرضة بكل قوتي ورجلي قعدت تخبط في حرف السرير الحديد كذا مرة. ومن هنا جت الكدمات دي.

​بس أنا بطلت عفرة أول ما لمحت النقطة السوداء الصغيرة اللي في فتحة التكييف في السقف.

​الكاميرا المستخبية.

​مش بتاعتهم هما.

​دي بتاعتي أنا.

​قبل ما أتجوز إيثان هارو، وقبل ما أبقى الزوجة الهادية اللي بيتريقوا عليها في حفلات العشا الخيرية، وقبل ما ديان تقول عليا “فرفورة وزيادة عن اللزوم على العيلة دي”، أنا كنت محاسبة قانونية جنائية في مكتب النائب العام. يعني عارفة العائلات الغنية دي بتدفن جرايمها إزاي، وعارفة هما بيستفوا الأوراق والسبل القانونية إزاي. ومن كام شهر، أول ما ديان بدأت تلمح إني “حساسة بزيادة” ومش هينفع أكون أم، قمت مركبة كاميرات في كل أوضة ليا حق قانوني فيها.

​بما فيهم الأوضة الخاصة بتاعتي في المستشفى.

​إيثان كان بحلق في كدماتي وكأنها اتهام صريح محفور على جسمي.

​وقال بذهول: “ليلي.. مين اللي عمل فيكِ كده؟”

​بصيت ناحية الباب.

​”عيلتك.”

​أكرة الباب لفت.

​ودخلت ديان وهي بتوزع ابتسامات: “ها؟ عملتلك الشوية بتوعها عشان تضحك عليك؟”

​إيثان لف وشافها بالراحة.

​وأنا كنت قاعدة بتفرج على أول شرخ بيكسر إمبراطورية آل هارو ويقسمها نصين.

ديان دخلت الأوضة بكل ثقة، لسه ريحة برفيومها الغالي قالبة المكان، وابتسامتها الصفرا مالت وشها وهي بتبص لإيثان مستنية منه يقول إنه خلاص هيوقعني على ورق التنازل.

​لكن نظرة إيثان ليها كانت غريبة، نظرة أول مرة تشوفها في عيون ابنها.. كانت نظرة رعب حقيقي مخلوط بذهول.

​ديان قطعت السكوت وقالت بنبرة فيها لؤم: “جرى إيه يا إيثان؟ باصصلي كده ليه؟ خلصنا وخليها تمضي، الوقت مش في صالحنا والناس بره بدأت تتكلم.”

​ماركوس دخل وراها، عازل نفسه ورا نظارته والدوسيه الجلد لسه تحت باطه، وقال ببرود: “كل حاجة جاهزة قانونياً، المستشفى مأمنة الإجراءات، والمركز الخاص مستني الإشارة.”

​إيثان اتقدم خطوة ناحية أمه، صوته كان بيترعش وهو بيسألها: “أنتِ عملتي إيه يا أمي؟”

​ديان ضحكت باستخفاف وقربت تظبط ياقة قميصه: “عملت الصح يا حبيبي، بنقذ اسم العيلة ونقذ ابك من واحدة مش متزنة، أنت مش شفت منظرها والبطانية مرفوعة؟ دي بتتبلى علينا!”

​في اللحظة دي، أنا سيبت معصم إيثان، وسندت ضهري على السرير براحة تامة، الوجع اللي في رجلي اختفى قصاد متعة المنظر اللي جاي.

​بصيت لماركوس وقولت بصوت هادي ومسموع: “ماركوس.. بصفتك محامي العيلة الشاطر، تفتكر المادة الخاصة بـ ‘التزوير، واستخدام النفوذ، والاحتجاز القسري، والاعتداء الجسدي الموثق’.. عقوبتها إيه في القانون؟”

​ماركوس عينه ضيقت وبصلي باحتقار: “أنتِ بتهذري يا ليلي، مفيش أي دليل على كلامك، وتقرير المستشفى هيثبت إنك كنتِ في حالة هياج عصبي والممرضات كانوا بيحموكِ من نفسك.”

​ديان هزت راسها بتاييد: “بالظبط كده، ومين هيصدق كلام مجنونة؟”

​قومت مدافعة بظهري لقدام شوية، وبصيت لإيثان وقولتله: “الموبايل اللي في جيبك يا إيثان.. افتح الأبليكيشن المقفول بـ باسوردي، اللي أنا سيفته على تليفونك من أسبوع عشان تتابع كاميرات البيت وأنت مسافر.”

​إيثان طلع الموبايل بسرعة، إيده كانت عرقانة لدرجة إنه مش عارف يكتب الرقم الباسورد، ولما فتح الأبليكيشن، ظهرت قدامه قايمة الكاميرات.. الكاميرا رقم 7 كان مكتوب جنبها: (جناح المستشفى الخاص).

​ديان بدأت تقلق، ملامح وشها اتمسحت منها الابتسامة: “إيثان! أنت بتعمل إيه؟ سيبك منها دي بتلعب بأعصابك!”

​لكن إيثان كان خلاص داس على الشاشة.. والفيديو بدأ يشتغل بصوت وصورة ووضوح عالي جداً.

​صوت ديان وهي بتقول: “أنتِ مش متزنة يا ليلي.. البيبي هييجي معانا البيت، وأنتِ هتروحي ترتاحي في مكان هادي”.. ملأ الأوضة.

وبعدها عل طول، ظهر المشهد كامل: ماركوس وهو بيرمي الأوراق، والممرضتين وهما بيكتفوني ويكتموا نفسي، وصوت خبط رجلي في السرير الحديد وهي بتنزف وكدماتها بتزرق، وديان واقفة بتتفرج ببرود وبتعدل الحلق اللولي بتاعها.

​المستندات اللي في إيد ماركوس وقعت على الأرض، ووشه اتقلب ومبقاش عارف ينطق.

​ديان رجعت خطوة لورا وهي بتبص للسقف، وتحديداً لفتحة التكييف، وبدأت تتنفس بصعوبة: “دي.. دي كاميرا؟ أنتِ عملتي كده إمتى؟”

​أنا ابتسمت وقولتلهما ببرود: “أنا محاسبة قانونية جنائية يا ديان.. أنا اللي كنت بستف القضايا اللي عيلتكم بتدفع ملايين عشان تداريها.. تفتكري هغلب في أسبوعين تصوير؟ الفيديو ده دلوقتي اتبعت على سيرفر خارجي، ونسخة منه راحت لزميلي القديم في مكتب النائب العام.. كبلاغ رسمي بالاعتداء والشروع في خطف طفل.”

​إيثان بص لأمه ونزل الموبايل، والدموع في عينيه: “ضيعتينا يا أمي.. ضيعتي اسم العيلة، وفضحتينا.”

​ديان بصتلي بغل وعيونها كانت بتطلع شرار، وقربت من السرير وهي بتجز على سنانها: “عايزة كام؟ قولي الرقم اللي يخليكِ تمسحي القرف ده ونقفل الحكاية هنا.”

​ضحكت بصوت عالي، ضحكة خلت الأوضة كلها تترعب: “فلوسكم؟ فلوسكم دي هي اللي هتدفعوا منها تمن حرية ماركوس والممرضات، وهي اللي هتعوضني عن كل ليلة حسستوني فيها إني فرفورة وماستاهلش أكون في عيلتكم.. إمبراطورية آل هارو خلاص اتهزت، والشرخ بدأ من الأوضة دي.”

​وفي اللحظة دي، الباب اتفتح ودخل الظابط ومعاه عساكر.. وبصيت لديان وماركوس وقولت: “يا فندم.. هما دول اللي اعتدوا عليا وحاولوا يزوروا أوراق خطف ابني.. والفيديو معاك على تليفونك.”

إيثان وقف مكانه، كأنه مش مستوعب الكلمة. بصلي وهو مشدق: “طلاق؟ يا ليلي إحنا بينا طفل! لسه جاي الدنيا.. ذنبه إيه يعيش في المحاكم وفضايح عيلتي مالية السوشيال ميديا؟”

​قولتله بنبرة حاسمة زي السكين: “ابني ذنبه إنه كان هيتسرق مني ويتسجن مع أم مجنونة في مصحة -بترتيب من عيلتك المحترمة- عشان يطلع مشوه نفسياً زيك ومبيعرفش يقول لأمه لأ.. ابني أنا هربيه بعيد عن سموم آل هارو.. ودلوقتي، برا.”

​إيثان مشي خطوتين لورا، رجليه مش شايلاه، وخرج من الأوضة وهو بيجر خيبته وصدمته وراه.

​أول ما الباب اتقفل، الأوضة رجعت لهدوئها التام. أخدت نفس طويل لأول مرة من شهور.. نفس فيه طعم الحرية. بصيت على السرير الصغير اللي جنب سريري، البيبي كان نايم في سلام تام، مش دريان بالمعركة الحامية اللي دارت بسببه، ولا بالوشوش اللي اتقنعت واتكشفت في دقايق.

​مديت إيدي براحة ولمست صوابعه الصغيرة، وهمستله: “خلاص يا حبيبي.. مفيش حد في الدنيا يقدر ياخدك مني.”

​مفيش ساعتين، وكان الميديا مقلوبة. الفيديوهات نزلت على المواقع الإخبارية الكبيرة زي النار في الهشيم.. “فضيحة آل هارو: سيدة المجتمع ومحامي العائلة يظهرون في فيديو صادم أثناء اعتداء واحتجاز لزوجة ابنهم داخل المستشفى لسرقة طفلها”.

​الأسهم بتاعة شركاتهم في البورصة بدأت تنزل للنزل في نفس اليوم، والشركاء بدأوا ينسحبوا واحد ورا التاني خوفاً على سمعتهم.. الإمبراطورية اللي بنوها في سنين على قهر الناس والمنظرة الكدابة، بدأت تنهار كأنها بيت من ورق.

​بعد يومين، كنت خرجت من المستشفى ورجعت على شقتي القديمة -اللي كنت مأيضاها ومأيمنة الورق بتاعها ومحدش من عيلتهم يعرفها-.

​الباب خبط، وفتحت لقيت إيثان ومعه محاميه الجديد، محامي شكله جاد ومفهوش الخبث بتاع ماركوس. إيثان كان باين عليه إنه مانامش من يومين، دقنه طلعت وهدومه متبهدلة، هيبته اتمست بالأرض.

​المحامي اتقدم خطوة وبصلي باحترام: “مدام ليلي.. إحنا جايين نقعد قعدة حق. أستاذ إيثان مستعد يوافق على كل شروطك للطلاق.. وبدون أي محاكم.”

​قعدت على الكرسي وقولت ببرود: “سامعاك.”

​المحامي طلع ورق الطلاق المجهز وقال: “تنازل كامل عن الوصاية والحضانة لأيمن (ابنك)، نفقة شهرية تضمن له ولِيكِ عيشة كريمة في نفس المستوى، والشقة دي هتتكتب باسمك رسمي.. في مقابل شيء واحد بس.”

​بصيت لإيثان اللي كان عينه في الأرض، وقولت للمحامي: “إيه هو؟”

​المحامي: “تنازل رسمي منك في النيابة عن القضية المرفوعة ضد المدام ديان وأستاذ ماركوس.. الفضيحة دمرت الشغل، ولو اتحبسوا، الشركات هتاخد حكم إفلاس.”

​ضحكت ضحكة خفيفة، وبصيت لإيثان وقولتله: “أنت لسه بتفكر في الفلوس والشركات يا إيثان؟ لسه بتدور على مصلحة أمك اللي كانت عاوزه ترمي مراتك في مصحة؟”

​إيثان رفع عينه وقال بصوت مكسور: “أنا بفكر في مستقبل ابننا يا ليلي.. لو الإفلاس حصل، النفقة دي مش هتعرفي تاخديها، والاسم اللي هيشيله هيبقى اسم عيلة رد سجون.. وافقي، وأنا بوعدك مش هتشوفي وشهم تاني طول حياتك.. هما اتكسروا خلاص.”

​فكرت لثواني.. كمحاسبة جنائية، أنا عارفة إن ديان وماركوس حتى لو طلعوا بكفالة أو بتنازل، سمعتهم انتهت للأبد في السوق وفي المجتمع، ومبقاش ليهم أي نفوذ يقدروا يأذوني بيه، والشرخ اللي حصل في عيلتهم مش هيتصلح. والأهم عندي دلوقتي هو أمان ابني واستقلالي الكامل.

​سحبت القلم من المحامي، ومضيت على ورق الطلاق وشروط الحضانة بالكامل، وأخدت النسخة بتاعتي.

​بصيت لإيثان وقولتله: “التنازل هيتقدم بكره.. بس افتكر كويس، أنت مش بتنقذ عيلتك.. أنت بتشتري اللي باقي من كرامتكم. من اللحظة دي.. أنت غريب عني وعن ابنك.”

​إيثان أخد الورق وهو مش قادر ينطق بكلمة، وخرج من حياتي هو وعيلته والماضي كله وراهم.

​وقفت في البلكونة، شايلة ابني وببص للشمس وهي بتطلع، وحسيت برضا ملوش مثيل.. آل هارو افتكروني “ناعمة وفرفورة”، بس نسوا إن أهدى العواصف هي اللي بتهد البيوت من أساسها.

مرت خمس سنين على اليوم ده.

​خمس سنين وإمبراطورية آل هارو بتدوب زي الملح في المية. ديان وماركوس صحيح خرجوا من القضية بعد التنازل بتاعي، بس خرجوا “جثث بملايين”.. المجتمع اللي كانوا عايشين عشان مظهرهم قدامه، قفل الأبواب في وشهم. ديان مبقتش تقدر تدخل حفلة خيرية واحدة من غير ما تلمح النظرات الهامسة والضحكات المكتومة، وماركوس اتسحبت منه رخصه المحاماة بسبب تزوير المستندات الطبية، والشركات أفلست تماماً واتباعت في المزاد العلني لتسديد الديون.

​إيثان سافر بره مصر خالص، اشتغل موظف عادي في شركة شحن في الخليج، وبقى يبعت نفقة ابنه بانتظام كل أول شهر من غير ما يطلب يشوفه.. كان عارف إن تمن أمان ابنه هو إنه يفضل بعيد.

​أما أنا.. فرجعت لملعبي القديم. فتحت مكتب استشارات مالية ومحاسبة شرعية خاص بيا. الشغلانة اللي كانوا بيتريقوا عليها ويقولوا “مش من مستوانا”، بقت هي السند اللي خلاني أقف على رجلي وأكبر ابني “أيمن” أحسن كبرة.

​في يوم من الأيام، كنت قاعدة في مكتبي الجديد في المعادي، التكييف شغال بهدوء، والملفات قدامي. الباب خبط ودخلت السكرتيرة وهي باين عليها التردد: “يا فندم.. فيه واحدة بره طالبة تقابل حضرتك ضروري، ومصرّة إنها مش هتمشي من غير ما تشوفك.”

​رفعت عيني من على اللاب توب: “مين دي؟”

​السكرتيرة: “قالت إن اسمها ديان.. ديان علام.”

​اسمها نزل عليا زي صدى صوت من ماضي بعيد ومات. سكت لثواني، رتبت أوراقي بكل ثبات، وقولت: “دخليها.”

​الباب اتفتح، ودخلت ديان.. بس مش ديان بتاعة زمان. الحلق اللولي مكنش موجود، والبدلة الكريمة الشيك اتبدلت بعباية سودا عادية جداً، وشها كان دبلان وعلامات السن والكسرة حفرت مجاريها تحت عينيها. البرفيوم الغالي مكنش ليه أثر.. كانت ريحتها مجرد “هم وحزن”.

​وقفت قدام مكتبي، وبصتلي بنظرة مافيهاش أي غل.. كان فيها رجاء.

​شاورتلها على الكرسي ببرود: “اتفضلي اقعدي يا مدام ديان.”

​قعدت وهي بتفرك إيديها المبتسمة برعشة واضحة، وقالت بصوت مبحوح: “أنا مش جاية أعمل مشاكل يا ليلي.. ولا جاية أطلب حاجة لنفسي. أنا جاية عشان إيثان.”

​رفعت حاجبي: “ماله إيثان؟”

​ديان دمعتها نزلت: “إيثان تعبان جداً بره.. عمل حادثة صعبة هناك ومحتاج عملية كبيرة، وكل اللي حيلتنا اتصرف على الديون والمحاكم. أنا جيت أطلب منك.. تسامحيه. وتخليه يشوف ابنه لو بالفيديو.. يمكن ده يديله طاقة يعيش. أنا عارفة إني ظلمتك، وعارفة إنك كسرتينا.. بس إحنا خسرنا كل حاجة خلاص يا بنتي.”

​بصيت ليها ولقيت نفسي مش حاسة بأي شماتة، ولا حاسة بزعل.. كنت حاسة بنوع من العدالة المطلقة.

​فتحت درج مكتبي، طلعت دفتر الشيكات، وكتبت مبلغ كبير يكفي علاج إيثان وزيادة، وقطعت الشيك وحطيته قدامها على المكتب.

​ديان بصت للشيك وبصتلي بذهول: “أنتِ.. أنتِ بتساعدينا بعد كل اللي عملناه؟”

​قومت وقفت، وسندت بإيديا على المكتب وقولت لها بمنتهى الهدوء: “الشيك ده مش ليكم.. الشيك ده باسم (أيمن إيثان هارو)، ده حق ابني في إن أبوه يفضل عايش ويخف، عشان لما يكبر يعرف إن أمه مسبتش حقه، وفي نفس الوقت كانت أكرم من عيلته اللي حاولت تسرقه. الفلوس دي هتوصل للمستشفى بره فوراً كقرض هيرده إيثان لما يقف على رجليه.”

​ديان أخدت الشيك وإيدها بترتعش، وقامت وقفت وهي بتبكي: “والرؤية؟”

​قولتلها وأنا ببص لبره الشباك على الشمس: “أيمن هيشوف أبوه لما يبقى عنده السن اللي يخليه يختار بنفسه.. من غير توجيه ومن غير ورق مزور. ودلوقتي.. اتفضلي، عندي شغل.”

​خرجت ديان وهي بتدعيلي بدموع، وقفلت الباب وراها.

​أخدت نفس عميق وبصيت لصورة أيمن اللي محطوطة برواز على مكتبي.. كان بيضحك وهو لابس لبس المدرسة. عيلة هارو افتكروا في يوم من الأيام إن الفلوس والنفوذ هما الأمان، ونسوا إن الأمان الحقيقي هو إنك تنام وضميرك مرتاح، وإن “الزوجة الهادية” لما بتعصف.. بتهد الدنيا وتبنيها من جديد.. وعلى نظافة.

بعد ما ديان خرجت، المكتب رجع لهدوئه اللي بحبه. قعدت على الكرسي وبصيت للشيك اللي اتمزق من الدفتر، ومحستش بلحظة ندم واحدة. القوة مش إنك تدوس على اللي اتكسر، القوة الحقيقية إنك تثبتله إنك بقيت في مكان أبعد بكتير من إنه يطوله أو يأثر فيك.

​تليفوني رن، وكانت السكرتيرة بتقولي إن عربية المدرسة وصلت تحت. قفلت اللاب توب، أخدت شنطتي ونزلت علطول.

​أول ما وصلت عند العربية، لقيت أيمن نازل وهو بيجري عليا، رمى شنطته في الأرض وحضنني بكل قوته وهو بيضحك: “مامي! أنا أخدت مركز أول في مسابقة الرسم النهاردة!”

​شيلته وضميته لصدري، وكنت شامة فيه ريحة البراءة اللي عيلته كانت عاوزه تدفنها تحت ورق المحاكم والمصحات. بوسته من خده وقولتله: “مبروك يا بطل! أنا كنت واثقة فيك.. يلا بينا نطلع نغير هدومنا ونحتفل.”

​دخلنا الشقة، المكان اللي شهد على بداية حريتي وأماني. وأنا واقفه في المطبخ بجهزله الغدا، لقيت تليفوني بيرن برقم دولي.. رقم من الخليج.

​قلبي دق دقة واحدة مختلفة، بس ثبت نفسي. رديت بصوت هادي: “ألو؟”

​جاني صوته مكسور، ضعيف، وفي نفس الوقت فيه نبرة امتنان مسمعتهاش منه قبل كده: “ليلي.. أنا إيثان.”

​سكت ومردتش، سيبته يكمل.

​إيثان كح بتعب وقال: “أمي كلمتني وقالتلي على اللي عملتيه.. المستشفى هنا بلغتني إن تكاليف العملية اتغطت بالكامل وجدولوا الميعاد بكره الصبح. أنا مش عارف أقولك إيه يا ليلي.. أنا مكنتش أستاهل منك ده، ولا عيلتي كانت تستاهل.”

​قولتله بنبرة جافة بس واضحة: “أنا مبعملش بأصلي يا إيثان، ولا بعمل عشانك وعشان عيلتك.. أنا عملت كده عشان أيمن لما يكبر ميبقاش شايل ذنب إن أبوه جرى له حاجة وكان بإيد أمه تساعده ورفضت. الفلوس دي دين عليك للمستشفى، لما تخف وتقف على رجليك هترجعها.. مش ليا، لحساب أيمن اللي مقفول في البنك.”

​صوته اتهز وبكى: “حاضر يا ليلي.. حاضر. أنا بس كان نفسي.. كان نفسي أسمع صوته، لو ثانية واحدة قبل ما أدخل العمليات بكره.. أنا مش ضامن أخرج منها.”

​بصيت برا الأوضة، لقيت أيمن قاعد على السفرة وفاتح كشكول الرسم وبيلون بكل اندماج وفرحة. فكرت لثواني.. هل الوجع القديم يستاهل إني أحرم طفل من دعوة لأبوه في لحظة زي دي؟

​مشيت بالراحة ورحت قعدت جنب أيمن، وحطيت التليفون على السبيكر من غير ما أقول لإيثان حاجة.

​قولت لأيمن: “حبيبي.. فيه حد عاوز يباركلك على المركز الأول.”

​أيمن بص للتليفون باستغراب وقال ببراءة: “ألو؟ مين معايا؟”

​صوت إيثان عِلي بالعياط والشهقات وهو بيحاول يكتمها عشان ميتعبش الولد: “أنا.. أنا بابا يا أيمن.. مبروك يا حبيبي.. مبروك يا بطل.. أنا فخور بيك جداً.”

​أيمن عينه لمعت بفرحة عفوية، وبصلي كأنه بيستأذنني، فهزيت راسي بابتسامة صامتة. أيمن قال بتلقائية: “الله يبارك فيك يا بابا.. مامي دايماً بتقولي إنك مسافر بتشتغل بره.. أنت هتيجي إمتى؟”

​إيثان صوته اتهز وعافير عشان يتكلم: “قريب يا حبيبي.. قريب أوي.. ادعيلي بس بكره عشان عندي مشوار صعب شوية.”

​أيمن قال ببراءة الأطفال: “ربنا معاك يا بابا وتخلص شغلك وتيجي بالسلامة.”

​أخدت التليفون بسرعة من غير ما أطول المقابلة، وشيلت السبيكر وقولت لإيثان: “ادخل عمليتك وأنت مطمن يا إيثان.. ابني متربي صح، ومفيش في قلبه غل من ناحيتك، لأن أمه عمرها ما كانت زيهم. شد حيلك عشان ترجع الفلوس لأصحابها.”

​إيثان قال بنبرة ودعاء حقيقي: “كتر خيرك يا ليلي.. ربنا يحفظك ليه ويحفظه لِيكِ.”

​قفلت الخط. أخدت نفس طويل وبصيت لأيمن اللي رجع يلون تاني وهو بيغني بصوت واطي.

​في اللحظة دي، حسيت إن الديرة دارت كاملة، وإن انتقامي مكنش بالدم ولا بالخراب، انتقامي الحقيقي كان بإن عيلة هارو انتهت تماماً من الوجود بنفوذها وظلمها، وإمبراطورية “ليلي” هي اللي بدأت.. إمبراطورية أساسها النضافة، والأصل، والذكاء اللي مبيغلبوش حد. تكييف الأوضة كان بيطلع هوا ساقع، وبصيت لفتحة التكييف وابتسمت.. الكاميرات مبقتش مستخبية خلاص، لأن حياتي بقت كلها في النور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *